د. عاصم منصور : ولو في الصين
بدعوة من أحد أهم مراكز السرطان هناك قمت الأسبوع الماضي بزيارة إلى جمهورية الصين للمرة الأولى في حياتي، فلم تكن الصين سابقا -في أدبياتنا الطبية- أحد مصادر المعرفة التي تشد إليها الرحال، فقد كان الغرب ومؤسساته الطبية والتعليمية مهوى أفئدة طالبي العلم والمعرفة.
خلال هذه الزيارة لم يبهرني فقط التقدم التكنولوجي الكبير الذي وصلت إليه الصين فهذا متوقع، كما أن التكنولوجيا أصبحت في متناول يد من يملك المال، ولا بروتوكولات العلاج التي توفر للمريض باقة واسعة من أحدث ما توصل إليه علم الصيدلة والتكنولوجيا الحيوية إما على حساب الدولة أو بأسعار معقولة، ما استوقفني أنّ معظم ما كنت أراه، سواء من دواء أو أجهزة أو بروتوكولات علاج قد صنع في الصين، كما أذهلني الكم الهائل من التجارب السريرية التي يتم إجراؤها هناك ناهيك عن الكادر البشري المميز.
قبل عقد لم يكن أحد منا في مجتمع الأورام يتحدث عن الصين بوصفها مصدرا للابتكار، فقد كنا نراها مصنعا لنسخ رخيصة من أدوية اخترعها آخرون. لكن اليوم تبدلت الصورة تبدلا يصعب تجاهله، حيث تشير التقارير إلى أن نحو ثلث الأدوية المبتكرة في العالم تنطلق من الصين، وأن قيمة صفقات بيع تراخيص هذه الأدوية إلى شركات غربية تجاوزت 130 مليار دولار في عام 2025 وحده، فلم تعد الصين تلهث خلف الركب؛ بل صارت في مقدمته في كثير من المجالات.
ففي مجال العلاج الخلوي، والذي يعتبر أحد أهم الاتجاهات العصرية في علاج السرطان، حيث يتم إعادة هندسة وتأهيل خلايا المريض المناعية لتقوم بدورها بمحاربة السرطان، تتصدر الصين العالم في عدد التجارب السريرية بما يفوق ما لدى الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين وبكلف منخفضة تشكل جزء يسيرا من مثيلاتها في الغرب.
لم تبنِ الصين هذا التطور كله بين ليلة وضحاها، ولم تبنِه بالمال وحده، بل بنته بقرار استراتيجي طويل الأمد ارتكز على الاستثمار في البحث العلمي، وعلى وضع المريض في قلب المعادلة لا على هامشها، وأن تصنع دواءها بدل أن تظل أسيرة لأهواء وأسعار الغير.
تذكرت وأنا في حالة الانبهار مما رأيت وسمعت قصة عن زعيم عربي في تسعينيات القرن الماضي واجهه أحد المثقفين بسؤال خلال جلسة حوارية عقدت على هامش معرض الكتاب، حول احتمال الالتفات إلى الصين كشريك إستراتيجي بديلا عن الغرب، فما كان من ذاك الزعيم إلا أن قاطعه مستهزئا «صين إيه يا أبو صين» وسط موجة من الضحك عمت القاعة لا أدري إن كانت على الصين أم على خيبتنا.
ما يعنيني هنا ليس الانبهار، فالانبهار عاطفة عابرة لا تشفي مريضا ولا تنشئ مختبرا، بل أين نحن في الوطن العربي من هذا التقدم العالمي المتسارع بصورة غير مسبوقة؟ فلدينا من العقول ما يكفي، فأبناؤنا يتفوقون في أرقى مراكز العالم الطبية والبحثية، فليس الذكاء ما ينقصنا، بل القرار في الاستثمار في البحث العلمي وفي تحصين العقول العربية من الهجرة بتوفير بيئة حاضنة لها وأن نبني شراكات حقيقية مع من سبقنا في هذا المجال، ومنهم الصين.
عدتُ من الصين ولدي قناعة رافقتني طوال الرحلة، أن خريطة الطب في العالم تتغير بسرعة، وأن الشرق لم يعد مكانا يرسل مرضاه إلى الغرب فحسب، بل صار وجهة يقصدها المرضى من الغرب نفسه. والسؤال الذي يلح علي ليس أين تقف الصين اليوم، بل أين موقعنا نحن على هذه الخريطة؟