نيفين العياصرة : الى صاحب الظل الطويل في الأردن
دائماً يخبرني الأصدقاء أن في عيوني الكثير من الحكايات المؤلمة وأنني أرى في هذا العالم حكايات أكثر مما ينبغي، ولعل أهم تلك الحكايات هي التي بدأت بها كتابي "البلاد من الداخل" حكاية "الظل الطويل" .
ترسّخ هذا الوصف في داخلي منذ الطفولة من خلال رواية "جودي أبوت" تلك الفتاة التي كانت تكتب رسائلها الكثيرة إلى "صاحب الظل الطويل"، كانت تكتب بعفوية وصدق تحكي له تفاصيلها ومخاوفها وأحلامها وهو لا يرد، لكنه كان يستمتع بما تنفثه من حبر صادق وواقعي... كبرت، وكبر معي الظل.
ثم اكتشفت أن صاحب الظل الطويل في البلاد أكبر بكثير مما كانت تتوقعه "جودي أبوت "، اكتشفت أن الظل ليس شخصاً واحداً بالضرورة وإنما منظومة من النفوذ والمصالح والعلاقات، والخوف والصمتوالأشخاص الذين يتحركون حين يتحرك الظل، ويتوقفون حين يتوقف.
ومن هنا بدأت أسأل: من يحكم الظل؟ وكيف يستطيع الظل أن يخرب البلاد من الداخل ثم يظهر في لحظة أخرى كأنه قادر على إصلاحها؟ من يمنح المواقع؟ ومن يصنع القمم؟ ومن يقرر من يكون قريباً ومن يصبح بعيداً؟ ومن يملك حق توزيع صكوك الانتماء على الناس؟.
قبل فترة.. جلست مع رجل كان يجعجع كثيراً، أوحى لي أنه يعرف دهاليز الظل وأنه يستطيع أن يقدم هذا الشخص على أنه منتمٍ وذاك على أنه غير منتمٍ، وأن يفتح أبواب المناصب لمن يريد ويغلقها في وجه من لا يريد، كان يتحدث عن الظل كما لو أنه سيد البلاد الحقيقي وكان يتحدث عن طاعته وكأنها شرط للنجاة، ابتسمت؛ لأنني ببساطة لا أعبد إلا الله، ولا أكتب إلا ما أراه حقيقة، فماذا يفعل الإنسان إذا أراد أن يعيش في نسيم الظل وهو لا يعرف الانحناء له؟
بعدها بدأت أقرأ الظل في إدارة الديمقراطية وفي إدارة الليبرالية وفي تفسير الدولة الواضحة وفي معنى المصلحة العامة، وكلما تعمقت، وجدت أن المشكلة ليست في وجود النفوذ وحده، وإنما في تحوله إلى سلطة غير معلنة، سلطة تستطيع أن تؤثر من خلف الستار دون أن تتحمل مسؤولية الوقوف أمام الجمهور.
وهنا يا صاحب الظل الطويل في بلدي الأردن،ة لدي سؤال بسيط:أنت أردني، أليس كذلك؟.. تحب هذا البلد وتنتمي إليه؟..، إذن أرجوك أعد قراءة المسرح.
فالأشخاص المتحركة على خشبة الوطن ليست كلها ثابتة في نواياها، بعضها يبتسم للوطن حين يمنحه الظل مكاناً في الصف الأول، ويغضب منه حين يخرجه من العرض، بعضها يتحدث عن الانتماء حين تكون له مصلحة ويطعن في البلد حين تُغلق أمامه أبواب النفوذ.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث للوطن.. أن يتحول الانتماء إلى وظيفة والوطن إلى منصة والموقع إلى مكافأة والمعارضة إلى انتقام والولاء إلى بطاقة مرور.
لقد ملّ الجمهور... ملّ من العروض التي تتغير ديكوراتها ويبقى النص نفسه، ملّ من الأشخاص الذين يظهرون كل مرة بوجوه مختلفة ومن الذين يرفعون شعار الوطن حين يقتربون من الضوء ثم يخاصمونه حين يعودون إلى الظل.
الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الممثلين ولا إلى أصحاب أدوار موسمية، الأردن يحتاج إلى رجال ونساء يعرفون أن الدولة أكبر من الأشخاص وأن المنصب ليس ملكاً لصاحبه وأن الموقع العام ليس جائزة لمن يطيع ولا عقوبة لمن يختلف.
الانتماء ليس أن تحب الأردن عندما يمنحك الانتماء أن تحبه عندما لا يمنحك شيئاً، الانتماء ليس أن تدافع عن الدولة لأنها وضعتك في موقع إنما أن تدافع عنها حين تكون خارج الموقع أيضاً، الانتماء أن تختلف دون أن تهدم وأن تنتقد دون أن تخون وأن تعارض دون أن تنتقم وأن تعمل من أجل الصالح العام حتى لو لم يعرف أحد أنك فعلت ذلك.
الانتماء ليس صورة مع مسؤول ولا مقعداً في الصف الأول ولا هاتفاً يرن من مكتب نافذ.... الانتماء موقف، والدولة التي تحترم نفسها لا تقيس مواطنيها بمقدار قربهم من الظل، وإنما بمقدار صدقهم مع الوطن.
يا صاحب الظل الطويل...
إن كنت تحب الأردن حقاً، فلا تجعل الظل أكبر من الدولة، لا تجعل الناس تخاف منك أكثر مما تحترم القانون، لا تجعل الوصول إلى القمة يحتاج إلى همسة في الظلام... دع الشمس تدخل مسرح الوطن من خلال المفكرين المنتمين الذين يقولون الحقيقة حقًا هناك ...الذين يبعدون عن الساحة بتأثير الظل، دع الناس تعرف من قرر ولماذا قرر ومن أخطأ، ومن أصاب، فالوطن الذي يعيش تحت الظل طويلاً يفقد قدرته على رؤية ألوانه الحقيقية.
وأنا لا أريد للأردن أن يبقى مسرحاً يتحرك فيه الظل، بينما يقف الوطن في الكواليس ينتظر دوره، أريد وطناً لا يحتاج فيه الإنسان إلى صاحب ظل طويل كي يكون مواطناً محترماً، وأريد أن يصبح السؤال في بلادي ليس:من يقف خلفك؟ ومن يدعمك؟.
إنما...
ماذا قدمت للأردن؟...
هناك فقط يبدأ الانتماء الحقيقي، وهناك فقط ينتهي زمن الظل.