د. عزمي حجرات : بين رؤى الملك وارتجال الحكومات: تمكين الشباب الأردني.
ظل جلالة الملك عبدالله الثاني ولا يزال يؤكد في محطات خطابية عديدة، لا سيما في لقاءاته المستمرة مع قطاعات الشباب وخطابات العرش، أن "دعم الشباب وتمكينهم هو من ثوابت النهج السياسي وقناعة راسخة بأنهم صناع المستقبل". كما شدد جلالته مراراً على أن إشراك الشباب في صنع القرار والإدارة المحلية ومجالس المحافظات ليس ترفاً فكرياً، بل هو ركيزة أساسية لا غنى عنها في مسيرة التحديث الشامل.
لكن المتابع للمشهد المحلي اليوم يلمس فجوة مقلقة بين نبض الرؤى الملكية السامية وبين كفاءة الأذرع التنفيذية في ترجمتها على أرض الواقع. فبدلاً من صياغة مسارات تأهيل استراتيجية مستدامة، تلجأ الحكومات والجهات الإدارية أحياناً إلى الاستجابة الانفعالية المتعجلة لفرض حضور شبابي شكلي في المجالس المنتخبة واللجان المحلية والتشريعات الناظمة، بهدف استرضاء المؤشرات الورقية وتقديم إنجازات للاستهلاك الإداري.
إن هذا الاندفاع الفوقي يتم في بيئة تكتنفها تحديات هيكلية صارخة؛ فأمام أرقام سوق العمل التي توثق تركزاً كارثياً للبطالة في الفئات العمرية الشابة لتبلغ نحو 43%، يتحول سعي الشاب نحو الوظيفة أو المقعد العام إلى "لهاث محموم" باحث عن طوق نجاة معيشي. وفي ظل مجتمع ما زالت مخرجات انتخاباته تحركها العصبيات العشائرية والمناطقية، وتُهيمن فيه "الإشاعة" كبديل خطير للمعلومة الرسمية، يأتي إقحام الشاب غير المهيأ إلى مواقع اتخاذ القرار ليخلق مخاطرة مزدوجة على الدولة والمواطن معاً.
إدارة الشأن العام، وقراءة الموازنات الرأسمالية المعقدة، والتعامل مع البيروقراطية الصلبة، ليست "مساحات للتدريب المرتجل" أو حقل تجارب قد ينتهي بفشل تنموي يستغله مناهضو التغيير للطعن في كفاءة الجيل الناشئ بأكمله. إن غياب برامج الإعداد المسبق والحوكمة يضع الشباب في مواجهة محارق إدارية تستهلك طاقاتهم ولا تبنيها.
إن الوفاء الحقيقي للرؤى الملكية لا يكون بـ "العواطف التنظيمية" والقرارات المتعجلة لملء المقاعد، بل بتأسيس جسور حقيقية بين طموح الشباب، ومؤسسات التأهيل الفعلي (كمعهد الإدارة العامة)، والإرشاد المؤسسي المدروس. فالتمكين الحقيقي ليس مجرد رقم في تقرير رسمي، بل هو بناء مؤسسي واثق يحمي كفاءة الدولة ويضمن نجاح الجيل القادم، لا إخفاقه