عماد عبد الرحمن : تطرف متسارع برعاية رسمية وبتداعيات خطيرة
لم يعد التطرف اليميني الإسرائيلي ظاهرة عابرة أو نتاج ظروف سياسية داخلية مؤقتة، بل تطور في السنوات الأخيرة نحو مسار متسارع تحظى مدخلاته ومكوناته برعاية رسمية واضحة، سواء من خلال التشريعات أو السياسات الحكومية أو حتى الخطاب السياسي والإعلامي، الأمر الذي يعكس انزياحاً عميقاً في بنية النظام السياسي الإسرائيلي، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار في الداخل وآفاق السلام في المنطقة.
ومع تعاقب الحكومات اليمينية الإسرائيلية، صعدت الى الواجهة قوى قومية ودينية متشددة ، حاملة معها أجندات سياسية قائمة على الإقصاء ورفض قبول الآخر، وتغليب منطق القوة على أي اعتبارات قانونية أو إنسانية، هذه القوى لم تكتف بالتأثير في الخطاب العام، بل نجحت إلى حد كبير في فرض رؤيتها على السياسات الأمنية والاستيطانية، وعلى منظومة التشريع التي باتت تستهدف تكريس طابع الدولة الأيديولوجي على حساب الحقوق المدنية والسياسية.
الرعاية الرسمية للتطرف في إسرائيل تبرز بشكل خاص ونلمسها كل يوم في الضفة الغربية المحتلة، حيث تحظى جماعات المستوطنين المتطرفين بحماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي ، في وقت تتصاعد فيه الاعتداءات المنظمة على الفلسطينيين وممتلكاتهم، دون محاسبة من الدولة سواء من ناحية قانونية أو حقوقية لردع مثل هذه الإعتداءات، الامر الذي خلق حالة من الإفلات شبه الكامل في العقاب، وشجع على مزيد من الاعتداء على الفلسطينيين العزل، وسط تواطؤ وصمت المؤسسات الإسرائيلية.
أضف الى ذلك، الخطاب التحريضي الصادر عن الوزراء والنواب الإسرائيليين لم يعد أمرا استثنائيا، بل أصبح أمراً اعتيادياً وجزءا من الأداء السياسي، خصوصاً الدعوات المستمرة لتهجير الفلسطينيين عن أراضيهم ومدنهم وقراهم، أو القتل والاعتداءات الجماعية والعربدة لفتيان الجبال وسط القرى والمزارع،ما يعزز خطاب الكراهية والتطرف والعنف، ويؤسس لبيئة سياسية وأمنية شديدة الخطورة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعدى التطرف حدود الصراع مع الفلسطينيين الى الداخل الإسرائيلي نفسه، فقد أدى تغوّل التيارات المتشددة إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع، واستهداف الفلسطينيين،وتقويض استقلالية القضاء، وتقييد الإعلام، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من النخب السياسية والأكاديمية والاقتصادية الإسرائيلية إلى التحذير من تآكل ما تبقى من ما يسمى القيم الديمقراطية، والانزلاق نحو نموذج دولة دينية قومية مغلقة.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يسهم هذا المسار المتطرف في تقويض أي فرص حقيقية لإحياء عملية السلام، ويزيد من حالة الاحتقان وعدم الاستقرار، كما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار صعب، إذ إن الاكتفاء ببيانات القلق أو الدعوات العامة للتهدئة لم يعد كافيًا في مواجهة سياسات ممنهجة تنتهك القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بشكل متكرر.
وعليه، إن التطرف اليميني الإسرائيلي المتسارع برعاية رسمية لم يعد مجرد خيار سياسي داخلي، بل بات عاملًا مؤثرا في معادلات الصراع الإقليمي، وهو مسار يحمل كلفة أخلاقية وإنسانية وسياسية باهظة، ليس على الشعب الفلسطيني فحسب، بل على إسرائيل نفسها وعلى استقرار المنطقة ككل، ما يستدعي موقفا دوليا أكثر وضوحا وحزما،تجاه هذه التجاوزات التي تضرب عرض الحائط قيم الشرعية والقانون الدولي والمساواة التي تدعي إسرائيل احترامها والعمل بها ليل نهار.