المستهلك يُعيد ترتيب أولوياته.. تغير أنماط الإنفاق يرسم حركة السوق
– ديما الدقس
لا يتحرك السوق الأردني بوتيرة واحدة، كما لا يتعامل المستهلك مع الأسعار والدخل والاحتياجات بالطريقة ذاتها، وبينما تحافظ بعض الأسر على نمط إنفاقها، تجد أخرى نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتأجيل مشتريات والبحث عن بدائل وعروض، في وقت يراقب التجار حركة الطلب وتغير سلوك المستهلك.
«الدستور» رصدت ميدانيا واقع السوق من وجهة نظر المواطنين والتجار، لتظهر صور متعددة؛ مواطنون يركزون على الأساسيات، وآخرون يقللون الكميات أو يتجهون إلى بدائل أقل سعرًا، فيما يرصد تجار تراجعًا في بعض القطاعات واستقرارًا في أخرى.
ويقول المواطن جمال أحمد، مدير مدرسة وأب لأربعة أبناء، إن حركة إنفاقه أصبحت أكثر حذرًا مقارنة بالعام الماضي، موضحًا أن دخله لم يعد يسمح له بالشراء بالطريقة نفسها، مؤكدا أن الأولوية أصبحت للمواد الغذائية وفواتير المنزل والمواصلات، فيما يؤجل المشتريات غير الضرورية.
وفي المقابل، يقول المواطن محمود يوسف، موظف في القطاع الخاص، إن إنفاقه لم يتراجع بصورة كبيرة، لكنه أصبح أكثر انتقائية، مشيرا إلى أنه يقارن الأسعار بين المحال، ويختار منتجًا أقل سعرًا إذا كان يلبي الحاجة نفسها، معتبرًا أن العروض أصبحت عاملًا مهمًا في قرار الشراء، خصوصًا للسلع التي يشتريها بصورة متكررة.
أما المواطنة نور عبدالرحيم، وهي أم لثلاثة أبناء، فتقول إن أسرتها أصبحت تخطط للمشتريات قبل الذهاب إلى السوق، خصوصًا مع تعدد احتياجات الأبناء.
وتوضح أن المواد الغذائية والفواتير تأتي أولًا، بينما يمكن تأجيل بعض الملابس والمستلزمات الأخرى، مشيرة إلى أن العرض لا يدفعها للشراء ما لم تكن السلعة مطلوبة فعلًا.
وبالنسبة للمواطن مؤمن طلال، فإن التغير الأبرز يتمثل في انخفاض الإنفاق على الكماليات مع استمرار الإنفاق على الضروريات، قائلا إن دخله يغطي الأساسيات، وبات يؤجل شراء الملابس وبعض الاحتياجات الشخصية، مشيرًا إلى أن المواصلات والغذاء يستحوذان على جزء كبير من دخله.
وتقول المواطنة رحمة تيسير إن ضغط المعيشة لا يرتبط بسعر سلعة واحدة، بل بتراكم المصاريف الشهرية، موضحة أن الفواتير والمواصلات واحتياجات الأبناء ومستلزمات المنزل تترك هامشًا محدودًا للإنفاق.
أما المواطن علي سمير، وهو شاب في بداية حياته العملية، فيقول إن جزءًا كبيرًا من دخله يذهب إلى المواصلات والطعام، لذلك أصبح يبحث عن خيارات أقل كلفة ويؤجل بعض المشتريات.
وتقول المواطنة سلمى إبراهيم، معلمة في روضة أطفال، إن أسرتها تحاول مواجهة ارتفاع الكلفة من خلال تغيير طريقة التسوق، موضحة أنها تقارن بين الأسعار، وتشتري سلعا بكميات أكبر عند انخفاض سعرها.
بدوره يقول التاجر مصطفى عوض، صاحب بقالة ومواد غذائية، إن حركة المبيعات أقل من مستويات سابقة، مشيرًا إلى أن الزبون أصبح أكثر تدقيقًا في السعر.
ويضيف أن بعض الزبائن الذين كانوا يشترون كميات تكفي لفترة أطول أصبحوا يكتفون بحاجتهم الأسبوعية أو اليومية، فيما زاد الإقبال على البدائل الأقل سعرًا.
ويشير إلى أن الطلب يتركز على الأرز والزيوت والسكر والبقوليات وغيرها من المواد الأساسية، بينما تتأثر السلع الأخرى بالعروض.
أما التاجر سمير أحمد، صاحب محل ملابس وأحذية، فيقول إن المستهلك أصبح أكثر اهتمامًا بالسعر، خصوصًا في السلع التي يمكن تأجيل شرائها، مشيرا إلى أن العروض تحرك الطلب، وأن الزبون يقارن بين الأسعار قبل الشراء، ويؤكد في الوقت ذاته ان المنافسة أصبحت قائمة على السعر والعرض وجودة المنتج في الوقت نفسه.
وفي قطاع الأدوات الكهربائية والمنزلية، يقول التاجر فراس محمود إن المستهلك أصبح أكثر ترددًا في شراء السلع مرتفعة السعر، مشيرا إلى أن بعض الزبائن يؤجلون شراء الأجهزة غير الضرورية، بينما يركزون على استبدال الأجهزة الأساسية عند تعطلها.
أما التاجر ناصر خليل، صاحب محل خضار وفواكه، فيصف السوق بأنه «حذر أكثر منه ضعيفًا».
ويقول إن المستهلك لا يستطيع الاستغناء عن الخضار والفواكه، لكنه يستطيع تغيير الكميات والأصناف وفق السعر، وقد يستبدل صنفًا بآخر.
وفي قطاع المطاعم، يقول التاجر محمد علي إن الزبون أصبح أكثر حساسية للسعر، مشيرًا إلى زيادة أهمية العروض والوجبات الاقتصادية.
ويضيف أن المستهلك لم يتوقف عن تناول الطعام خارج المنزل، لكنه أصبح أكثر انتقائية، وقد يقلل عدد مرات الطلب أو يختار وجبة أقل سعرًا.
ويقول التاجر حسام عبد الله، صاحب محل للأدوات المنزلية، إن المستهلك أصبح يحتاج إلى سبب واضح لإتمام الشراء، مشيرا إلى أن توفير بدائل متعددة في السعر والجودة يساعد على البيع، خصوصًا للسلع التي يمكن تأجيلها.
وتظهر إفادات المواطنين والتجار أن تغير حركة السوق لا يرتبط بالأسعار وحدها؛ فالمستهلك قد يستمر في شراء السلعة نفسها، لكنه يقلل الكمية أو يغير العلامة التجارية أو يبحث عن عرض أفضل، وقد يؤجل سلعة أخرى بالكامل.
وفي المقابل، يحاول التاجر الحفاظ على حركة البيع من خلال العروض وتوفير البدائل وضبط التكاليف، مع اختلاف الصورة من قطاع إلى آخر.
فمشتريات الأسرة من المواد الغذائية لا تتحرك بالوتيرة نفسها التي تتحرك بها الملابس أو الأجهزة الكهربائية أو المطاعم، كما تختلف أولويات أسرة لديها أبناء عن شاب في بداية حياته العملية.
وفي المحصلة، تعكس حركة السوق تفاوتًا في أنماط الإنفاق بين الأسر والقطاعات؛ فالمستهلك يعيد ترتيب أولوياته وفق دخله واحتياجاته، فيما يحاول التاجر الحفاظ على الطلب في سوق أصبح أكثر حساسية للسعر وأكثر اعتمادًا على المقارنة والبدائل.
ــ الدستور