رمزي الغزوي : تجنيد طائر الحمام
ما زلت أرثي حال أشجار الغار البهية الرزينة دائمة الخضرة ممشوقة الروح والقوام، إذ تحولت بفعل عوامل تسطيح المعاني الساميات، من أكاليل تزين رؤوس الأبطال والشعراء والأباطرة، إلى قرين للمطابخ كتوابل رخيصة تنكّه مأكولات عصرنا الشره.
وسيبقى أن الغار أقلَّ خسارة واستباحة من طائر الحمام ورمزيته، وعلو شأنه في كتب العاشقين وسيرهم. فهذا المسالم الهادئ سيتحول بفعل العقلية الحربية البشرية إلى طائر حربي مقاتل، يتسلل خلف خطوط العدو.
فقبل أيام كشفتت شركة «نيري» الروسية المتخصصة في التقنيات العصبية عن مشروع غير تقليدي لتحويل الحمام إلى طائرات مسيَّرة حية عبر التحكم العصبي، ويحمل المشروع اسم «بي جي إن -1، ويعتمد على زرع أقطاب كهربائية دقيقة داخل جمجمة الحمامة، متصلة بمحفز عصبي يتيح التحكم بمسار الطائر عن بُعد، ومدعوما بأنظمة طاقة شمسية وبث وكاميرات واستشعار.
منذ القدم والحمام مقرون بالسلام ورمزيته. ففي كثير من معتقدات الشعوب أن نوحاً عليه السلام أرسل من سفينته في عرض الماء الحمامة ليعرف إن كان ثمة أمل أن يرى أرضاً بعد الطوفان. في المرة الأولى عادت الحمامة بغصن زيتون، فصارت هي والزيتون رمزين للسلام والأمان. وفي المرة الثانية عادت وعلى قدميها لطخات من طين؛ فعرف نوح أن اليابسة قريبة.
وكان الناس قبل اختراع البرق والهواتف يستغلون غريزة الحمام في حبه لوطنه الأم. ولهذا كان يتبادلونه في أقفاص بعد أن يتزاوروا، وكانوا إذا ما أرادوا إرسال رسالة فما عليهم إلا أن يعلقوها بقدم حمامة، وستتكفل بوصلة الحنين إلى الوطن في إيصالها. وهكذا كانت حكاية الحمام الزاجل.
أحب الحمام، وأحب وداعته، ويطربني هديله، وأراه طائراً عاشقاً يمتلئ غزلا لطيفا وحيوية لا تفتر. ولربما أن الإنسان سرق منه طريقة القبل العميقة بين الزوجين. ولهذا أحزن أننا وبعد أن صرنا نتواصل بالكهرباء والموجات الكهرومغناطيسية، وبعد أن فقدنا الرغبة في مراقبة زوجين من حمام يتطارحان الغرام، وبعد أن غدا هذا الحمام رمزاً مهجوراً في لوحة لبيكاسو مثبتة عند مدخل هيئة الأمم المتحدة في نيويورك.
وهنا سيسأل سائل: لماذا يمرغون سمعة هذا الطائر الجميل بوحل البارود. لماذا يجندونه في معاركهم. والجواب بكل تأكد أن العقل البشري ممتلئ بالقتل والدماء، ويرى في كل ما حوله أدوات يمكن استخدامها في حروبه.