الأخبار

د. سلطان المعاني : سرديتنا: قصة الهوية ورواية الأرض والإنسان

د. سلطان المعاني : سرديتنا: قصة الهوية ورواية الأرض والإنسان
أخبارنا :  

تنبثق السرديّة الأردنيّة من صبرٍ طويلٍ صاغته الأجيال على مهل، ثم سلّمته إلى حاضرٍ يتنفّس خبرته، ويستثمر رصيده، ويحوّل تراكمه إلى رؤيةٍ تتجه نحو الغد بثقةٍ مؤسسة على عملٍ منجز، وخبرةٍ مجرَّبة، وقدرةٍ على الاستمرار. تتقدّم هذه السرديّة باعتبارها سرديّة الهوية، والأرض، والإنسان، ثلاثيّةً متداخلة تصنع المعنى العملي للانتماء، فيغدو المكان ذاكرةً حيّة، ويغدو الإنسان فاعلًا تاريخيًا، وتغدو الهوية منظومة قيم تنظّم العلاقة بين التنوّع والوحدة، وتحوّل الاختلاف إلى طاقة مشاركة، وتمنح الاجتماع الأردني قدرةً على بناء دولة تستند إلى خبرة المجتمع وعقلٍ إداريٍّ يتعلّم من التجربة ويطوّر أدواته.

تتشكّل الهوية في الأردن عبر ممارسةٍ يوميّة تتجسّد في المدرسة، والجامعة، والقرية، والمدينة، والبادية، وفي مؤسسات الدولة، وفي شبكات القرابة، وفي الفضاء العام. تُصاغ الهوية من تفاصيل العيش، وأخلاق العمل، وحسّ المسؤولية، ومن لغةٍ تضبط علاقتها بالناس وبالأشياء، ومن قدرةٍ على تحويل القسوة البيئيّة إلى نمط حياة منتج. وفي هذا كله تُقرأ الهوية مشروعًا متجددًا، يستوعب القادمين إلى المكان ويؤلّف بينهم، ويجعل المواطنة عقدًا أخلاقيًا، والدولة أفقًا لحماية الكرامة، والمجتمع حقلًا للتكافل، والقانون معيارًا للثقة العامة.

تفرض الأرض الأردنية حضورها في الوعي، فتمنح السردية مادتها الأولى، متمثلة في الطريق، والينبوع، والسهل، والجبل، والبادية، والمدينة. فتقدّم الأرض مفرداتٍ كبرى لتأسيس سردية تقوم على إنتاج القيمة، فالمكان يعلّم الاقتصاد، ويعلّم السياسة، ويعلّم الثقافة، ويمنح الإنسان فرصة قراءة الذات عبر الجغرافيا، فيتكرّس الأردن في هذه القراءة عقدةَ طرقٍ قديمة وحديثة، ومجالًا لاختبار القدرة على التكيّف، ومساحةً تلتقي فيها أنماط الاجتماع الكبرى، الرعويّة، والزراعيّة، والحضريّة، فتتوازن التجارب وتتماسك، وينتج عن ذلك سلوك عام يقدّر الاستقرار ويحتفي بالإنجاز.

تؤسّس السردية الأردنية لحجر أساس يتجسّد في فكرة المنجز الذي تعاقبت عليه الأجيال، فتعاقُبُ الأجيال هنا سلسلة بناءٍ متصلة، تتقدّم فيها الخبرة خطوة إثر خطوة، وتتراكم فيها النجاحات كرأسمال رمزي واجتماعي. يظهر هذا الحجر في بناء المؤسسات، وفي صيانة الدولة، وتطوير التعليم، وتحويل الانضباط إلى ثقافة عامة، وفي ترسيخ قيم الخدمة العامة، وتوسيع دوائر المشاركة، وفي إنتاج نخب معرفية وإدارية قادرة على إدارة التحديات. يتحوّل المنجز المتراكم إلى ذاكرة معيارية تقيس الأداء، وتوجّه القرار، وتربط بين ما أُنجز وما ينتظر الإنجاز، فتصبح السردية رواية اعتزاز وخطة عمل أخلاقية.

تتقدّم الدولة الأردنية الحديثة داخل هذه السردية كامتداد لعقل المكان العملي. حيث تنشئ المؤسسة التعليمية الوعي وتوسّع المدارك، وتحفظ المؤسسة الأمنية والعسكرية الاستقرار، وتنظّم المؤسسة الإدارية المصالح وتبني الثقة، وتصون المؤسسة الثقافية الذاكرة الحيّة وتعمّق الذائقة، وتفتح المؤسسة الاقتصادية مسارات الرزق وتستدعي الابتكار. ويتجسّد النجاح المتراكم في قدرة هذه المؤسسات على التعلّم من الدروس، وتحويل الأزمات إلى خبرة، وإعادة ترتيب الأولويات وفق ميزان المصلحة العامة، وعلى حماية التماسك الاجتماعي عبر سياسات تنصف الإنسان، وتقدّر جهده، وتدعم الفئات الأضعف، وتمنح الشباب أفقًا، وتوسّع حضور المرأة في الحياة العامة شريكةً في الإنتاج.

تُبنى الرؤية المستقبلية للسردية الأردنية عبر تحويل الإرث إلى طاقة تخطيط، وتحويل الخبرة إلى معرفة قابلة للقياس والتطبيق، وتحويل الذاكرة إلى منصة إنتاج. وهنا تتسع هذه الرؤية للرقمنة أداةَ توثيقٍ وحفظٍ واسترجاع، وللبحث العلمي طريقًا لصناعة السياسات، وللاقتصاد المعرفي رافعةً جديدة، وللصناعات الثقافية والإبداعية مجالًا يربط الهوية بسوق حديثة من غير تفريط بالثوابت. وتتجسّد الرؤية أيضًا في تعميق العلاقة بين التراث والتعليم، فتغدو المواقع التاريخية فصولًا مفتوحة، والمتحف مؤسسة وعي، والفن لغة عامة تصنع الثقة وتوسّع الخيال، ويغدو السرد الوطني مادة تُدرَّس وتُناقَش وتُختبر في الحياة اليومية.

تستمر السردية الأردنية حين تُصاغ على جملة قيم واضحة، تتمثل في الكرامة، والعدالة، والعمل، والمسؤولية، والشراكة، والتكافل، والانفتاح على العالم من موقع الثقة بالذات. وتتجدّد السردية حين يُعاد توزيع الضوء على الإنسان محور البناء، فتُستثمر طاقته، ويُسمع صوته، وتُفتح له مسارات الإنجاز، وتُربط الحقوق بالواجبات ضمن عقد اجتماعي يرفع منسوب الثقة. كما تنضج السردية حين تُدار ممارسةً للدولة والمجتمع معًا، تُكتب في السياسات كما تُكتب في الثقافة، تُرى في التخطيط كما تُرى في السلوك اليومي، وتُقاس بقدرتها على تحويل رصيد النجاحات إلى مستقبل أوسع، يحفظ المكان، ويكرّم الإنسان، ويمنح الهوية رسوخها وفاعليتها في زمن سريع التحوّل.

مواضيع قد تهمك