د. فريال حجازي العساف : مرة أخرى منظومة حقوق الإنسان في ميزان العدالة
تصدرت وسائل الاعلام الاجتماعي والمواقع الإلكترونية الفترة الأخيرة نشر معلومات عن ما تم تسميته بجريزة الشيطان والانتهاكات الصارخة للقيم والمبادئ التي أسست عليها منظومة حقوق الانسان وآلياتها الدولية في احقاق الحق والدفاع عن الانسان بغض النظر عن أي أعتبار قائم : اعتُبرت القضية بمثابة «اختبار ضغط» لمعايير الغرب الأخلاقية ومبادئ وقيم حقوق الانسان برمتها ، حيث كشفت كيف يمكن للمكانة الاجتماعية أن «تُسكت صفارات الإنذار» وتجعل أنظمة العدالة تتحرك ببطء شديد عندما يكون المتهم ثرياً. وذو نفوذ حيث لا سلطة فوق السلطة .
تُعد الوثائق التي تم نشرها على المواقع الإلكترونية المتعلقة بقضية جيفري إبستين من أكثر القضايا التي هزت منظومة حقوق الإنسان العالمية، ليس فقط بسبب بشاعة الجرائم المرتكبة، بل لتسليطها الضوء على ثغرات عميقة في أنظمة العدالة والمساءلة الدولية. واستمرارية الصمت المجبول بالعار على البشرية جمعاء.
إهدار شامل للحقوق الإنسانية: تجاوزت الانتهاكات عبارات «المساس» لتصل إلى «الإهدار الكامل» للحق في الحياة، وتدمير منهجي لحقوق الأطفال وحقوق حقوق المرأة والاتجار بالبشر والعبودية والرق والاستغلال والابتزاز والنفي والاختفاء القسري والتعذيب الممنهج واستغلال الفئات الأكثر هشاشة ، وانتهاك الخصوصية. وغض الطرف عن جرائم الإبادة .
لتعد تلك الانتهاكات دليلا صارخاً في وجه العدالة الدولية ودليلاً على قوة جدار الصمت الدولي ومتانته في غض النظر عن منتهكي حقوق الانسان. اذا كانوا ذوي الثراء والنفوذ.
واليوم ونحن اما جرائم من ابشع جرائم الانسانية بالتاريخ ينكشف الغطاء المزييف عن حقيقة الوفائ بالالتزامات حقوق الانسان ومواثيقه الدولية وقواعد القانون الدولي الإنساني والياته مراجعته ومحاسبة الدول لا سيما في استعراضها الدولي الشامل لنقول ان تلك القواعد القانونية لا يمكن تطبيقها على ذوي النفوذ والعلاقات القوية والثراء الفاحش كون لديهم حصانه فوق الحصانة القانونية ولا يمكن محاسبتهم لا بل يحلل لهم جميع وسائل الإفلات من العقاب وعدم المسائلة كون أن الحكم والخصم في هذه القضية هو ذاته.
القضية اليوم تضع منظومة حقوق الانسان مرة أخرى بكفة ميزان العدالة والانصاف ليكشف أن ثمة بونًا شاسعًا بين القيم الحضارية التي كانت تنادي بها دعاة الحقوق ، وبين الواقع.
اذا عدنا للبدايات الفلسفية لمبادئ حقوق الانسان نجد ان العلماء الثلاثة لأصحاب نظرية العقد الاجتماعي وأبرزهم جون لوك الذي كتب عن الحقوق الطبيعية التي تسبق السلطة، وأكد أن وظيفة الحكم هي حماية الفرد وحريته فيما أكد إيمانويل كانط فكرة أن الغاية هي الكرامة الإنسانية، وأن الأخلاق تنبع من واجب احترام الإنسان لكونه إنسانا. أما جون ستيوارت ميل فوضع الحرية شرطا لازدهار الحقيقة.من هذه الخلفية الفلسفية، رسمت صورة وردية لمنظومة أخلاقية تعد بالشفافية، وتفاخر بسيادة القانون، وتقدم أبرز مميزاتها وهي قدرتها على تصحيح أخطائها من الداخل.
لنصل الى قناعة الى ان ما قدمه المفكرون الغربيون لم يكن الا مجرد شعارات من نوع « أصحاب الثراء والنفوذ هم فوق القانون» و» انهم اقوى من المؤسسات الحقوقية وان خطاب القوة يتجاوز خطاب القيم والمبادئ اليوم الكل يدرك اننا مجتمعات واعية واجيال تمتلك المعلومة وقادرة الى الوصول الى الحقيقة وكشف غطاء العار المعرفي وكما كتب الفيلسوف بول ريكور في حديثه عن السرد والهوية، فإن المجتمعات تحتاج إلى «قصص قابلة للتصديق» لتحافظ على تماسكها الأخلاقي. لكن حين تتكرر الوقائع التي لا تجد خاتمة مقنعة، تتحول الصدمة إلى شك في الثقة بالسردية نفسها ومآلتها..
ليتم طرح العديد من التساؤلات التي هي برسم الإجابة:
لماذا صمت من صمت؟ وكيف تحوّل الصمت إلى سلوك مفهوم، وعقلاني، داخل منظومة تزعم الدفاع عن القيم؟ إنه ما يحدث حين تنتقل القيم والمبادئ والأخلاقيات إلى دور بسيط، وهو تزيين جبين أصحاب النفوذ والثراء.