م. هاشم نايل المجالي : ما بين الفوضى والارتجال !
كلنا يعلم أن الارتجال هو أداء عملٍ معين دون سابق استعداد أو تحضير لذلك العمل، حيث يتم الاعتماد على ما هو متوفر من أدوات ووسائل لتحقيق هدفٍ معين، أما الفوضى فهو الموقف الذي يتسم بضعف نظام أجزائه ومكوناته أو صعوبة التحكم به.
فإذا ما وُجدت هذه التعريفات في مجتمعٍ معين أو في مجلسٍ معين، وأصبحت معرفةً فكرية ومهارةً سلوكية، فلا شك بأننا سنجد أن التناصح مفقود، حيث نجد التصادمات والنقاشات الحادة، وكلٌّ يعارض الآخر بعيدًا عن المصلحة الوطنية المشتركة التي يجب أن تسود ذلك المكان.
فإذا دمجنا ارتجال الأداء الإنساني في ذلك المجلس أو في أي مكان عام نعيش فيه، بغض النظر عن كفاءة هذا الارتجال وفعاليته، وذلك مع الفوضى الفكرية أو الدينية أو الأخلاقية الاجتماعية والإعلامية وغيرها، فسوف يكون الناتج مجلسًا أو مجتمعًا يركز على الخلاف ولا يفكر إلا في الاختلاف، وينسى الألفة المجتمعية والحس الوطني الذي يجب أن يسود فوق كل صوت وكل شيء، ويكون الهدف من هذا الاختلاف هو التناحر الإعلامي والفكري، ولا ترى فيه سوى التناقضات السلوكية بأشكالها وأنواعها، وتمييعًا للقيم الأصيلة التي هي عنوان هذا المجتمع المتماسك.
وحتى لا يفقد هذا المجتمع هويته الوطنية الأصلية، فإن أساس المجتمعات وأساس المجالس بأنواعها هو الارتكاز على أرضية مشتركة تجمع بين كافة المكونات الفكرية وغيرها، وتكون مصدرًا لأفكارها النيرة، تحفزهم على العطاء والنقد البناء والإصلاح بأنواعه، ليس فقط بهدف التشهير أو الظهور الإعلامي.
علينا في هذه المجالس أن نجعلها فسحةً لبيان واستعراض الأخلاق الحميدة مهاراتٍ وسلوكياتٍ ومعارف، حيث تصبح منظومةً ومجموعةً متحدةً متكاملةً لا تتجزأ في مختلف المواقف التي تهم المجتمع والوطن والمواطن، ولا تتغير عند الأزمات والمحن، ولا تتلون عند الرخاء.
إن الارتجال والفوضى عدوان لدودان للتناصح والتقوى، وديننا الحنيف يحث على النظام والاستعداد والتحضير والتهيئة بكل موقف على حدة، في ظل هذه المتغيرات الإقليمية والأزمات العالمية مهما اختلفت هذه المواقف ومحتواها، فهناك أولويات لا بد منها، والدين العظيم الذي علمنا صغائر الأمور لا يغفل عن عظائم الأمور.
وكما قيل فإن الناس بخير ما تناصحوا وتواصلوا بالحق، فإذا أهملوا وتقاعسوا عن هذا الأمر العظيم ظهرت بينهم الاختلافات والمناكفات، وأصبح السعي للظهور الإعلامي هو الهدف الأسمى لتلك المواقف، ويهلك النسيج الاجتماعي، بينما يضمن التناصح المبني والمستند إلى التقوى صيانة المجتمع وإبعاده عن مواقف الشرور التي أصبحنا نتميز فيها بمجالسنا.
والنصيحة التي دومًا يتم توجيهها للتوافق والتعاضد هي كلمة جامعة، غايتها إرادة الخير للمنصوح له وللمصلحة العامة، وتنبيهه ليتجنب الوقوع في الأخطاء واجتناب العيوب، والتحذير من الانحراف بالقول والعمل والمعاملة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». كررها ثلاث مرات، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، وكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم».
فتأمل قوله: الدين النصيحة، كأنه حصر الدين كله في النصيحة لعظيم شأنها، لذلك علينا أن نبتعد عن الفوضى المقصودة والارتجال غير المتزن. ــ الدستور