العين السابق عبد الحكيم الهندي : الدبلوماسية في زمن "تآكل الانتباه": قراءة في أبعاد الخطاب الملكي الأممي
العين السابق المهندس عبد الحكيم محمود الهندي
في عصر تتدفق فيه المعلومات بلا توقف وتتنافس الأحداث على أجزاء من ثانية في ذاكرة الإنسان وصانع القرار، يواجه العالم مأساة نوعية تكمن في فقر الانتباه. فليس الخطر الحقيقي كامناً في جهل الحقائق، بل في اعتيادها؛ وحين تتحول الحروب إلى تقارير يومية، والتهجير إلى مجرد أرقام، تفقد المآسي قدرتها على الصدمة، ويبدأ المجتمع الدولي مساراً خطيراً من التعايش مع الأزمات بدلاً من حسمها. ومن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضع جلالة الملك عبدالله الثاني إصبعه على هذا الجرح العميق، متجاوزاً حدود الوصف التقليدي لعالم مضطرب ليطرح السؤال الأصعب: ماذا يفعل العالم حين يعرف الحقيقة ثم يختار أن يلتفت بعيداً؟
إن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لعقود طويلة، والاعتماد المستمر على خيار إدارة الصراع عوضاً عن حلّه، أفرغ القرارات الأممية من مضامينها الرادعة. فما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية المتمثل في الاستيطان، مصادرة الأراضي، وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ليس شأناً محلياً فلسطينياً فحسب، بل هو اختبار وجودي لمصداقية المنظومة الدولية برمتها. فإما أن تسود قواعد القانون والعدالة، أو يتحول الأمن إلى امتياز حصري لمن يمتلك القوة، وهو ما يهدد استقرار الدول الصغيرة والمتوسطة وفي مقدمتها الأردن.
إن محاولات فصل الأمن عن الاقتصاد تُعد قراءة قاصرة لمشهد الإقليم، فالاستقرار ليس مجرد غياب للسلاح، بل هو بيئة متكاملة ترتكز على حركة التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد. واضطرابات الشرق الأوسط تنعكس تباعاً على أسعار الطاقة وكلفة النقل عالمياً. وبالنسبة للأردن، فإن تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص يتطلب استثمار الموقع الجغرافي كحلقة وصل إقليمية، بالتوازي مع تقوية الجبهة الداخلية، وحماية الأمن الوطني والمائي، وتكامل الأدوار بين القطاعين الحكومي والخاص لتحويل الجغرافيا من عبء إلى ميزة تنافسية.
تثبت الدبلوماسية الأردنية بقيادة جلالة الملك أنها دبلوماسية قائمة على الاعتدال الثابت لا المتغير. فهي لا ترهن مواقفها لمواسم السياسة ولا تتنازل عن ثوابتها الجوهرية، وفي صدارتها الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والدعم المستمر لوكالة الأونروا، وحماية حقوق اللاجئين، والنأي بالصراع عن أي إطار ديني مذهبي، وتأكيد طابعه القانوني والسياسي المحض بوصفه قضية حقوق وعدالة.
إن الرسالة الأعمق للخطاب الملكي هي تذكير الضمير العالمي بأن تجاهل الأزمة لا يعني زوالها، وأن تأجيل الحلول لا يلغي المشكلة، بل يراكم أعباءها. السلام الحقيقي لا يُبنى على هدن مؤقتة أو نصوص محفوظة في الأدراج، بل يرتكز على معادلة واضحة تقوم على عدالة ناجزة، وقانون يسري على الجميع، واقتصاد يستند إلى أمن مستدام. وفي عالم تتسابق فيه الأزمات لخطف أنظارنا، يظل السؤال معلقاً بانتظار إجابة فعلية من أصحاب القرار في كل مكان: عندما نعرف ما ينبغي أن نفعله.. متى سنفعله؟