الأخبار

م. هاشم نايل المجالي : خريف الإنسانية!

م. هاشم نايل المجالي : خريف الإنسانية!
أخبارنا :  

لقد مُنح الإنسانُ اليدَ العُليا في تسيير حياته، وتم التأكد دوماً أن البشرية لا بد أن تتحمل المسؤولية عن مصيرها، وتعوِّل على جهودها لتلبية الاحتياجات والرغبات بدلاً من الاعتماد على المعتقدات الغيبية، حيث ارتكزت حركة الإنسانية بالقيمة الفردية والتفوق الأخلاقي والقيمي لدى الإنسان، وهو الأمر الذي يؤهله ليكون المركز الرئيسي لكل شيء في هذا العالم، وما يسمى (بمركزية الإنسانية).

وبعد أن بدأت التطورات التكنولوجية تأخذ منحًى متسارعاً ونوعياً، ظهرت بعض الآراء الفكرية تشكك في هذا النموذج، على اعتبار أن طبيعة البشرية متغيرة ومتشابكة، ذات مصالح متضاربة ومتشابكة مع كيانات غير بشرية، فمع التقدم المتسارع في الذكاء الصناعي والتكنولوجيا الحيوية والروبوتات أصبحت الخطوط الفاصلة بين البشر وغير البشر تتناقص وتتضاءل تدريجياً وبشكل متزايد يوماً بعد يوم، ليصبح هناك العديد من التساؤلات حول الهوية البشرية المستقبلية، ومدى الاستقلالية، ودور الأخلاق والقيم الدينية والاجتماعية، ودور التكنولوجيا في تشكيل المجتمعات المستقبلية.

أي أن أمام أهمية العمل على الإنسانية المعززة لتحسين القدرات البشرية من خلال التكنولوجيا والهندسة الحيوية والجينية والتقنيات الحديثة، لتحقيق مستويات جديدة من الأداء الإنساني في كافة المجالات المعرفية والبدنية والنفسية وغيرها، وبما يتناسب مع قدرات وإمكانيات التكنولوجيا الحديثة المتطورة، من أجل الحفاظ على الوجود الذي يتناسب مع التطور الهائل للتكنولوجيا الحديثة للذكاء الصناعي وغيره، حيث يصبح الإنسان قادراً ومؤهلاً ولديه الإمكانيات والقدرات على الاستفادة من تقنيات الذكاء الصناعي والتكنولوجيا الحديثة لتحسين وظائف هذا الإنسان.

فكيف سيكون شكل الإنسان في المستقبل، حيث الاندماج المتزايد بين الإنسان والآلات الحديثة التي تعمل تلقائياً وبالذكاء الصناعي، وظهور الروبوتات الإنسانية الشبيهة بالإنسان؟

فهل نحن إن لم نتعايش مع ذلك التطور سندخل فيما يسمى خريف الإنسانية، أم أننا سنرى أنفسنا مستقبلاً كجزء لا يتجزأ من الكائنات غير البشرية، غير منفصلين عنها بالأداء والإنتاجية والتحليل وغيرها، أي سيكون هناك نصف إنسان ونصف آلة، أي أننا مستقبلاً سنكون أمام تكنولوجيا للبشرية المحسنة التي تتشارك معها في هذا العالم بعد أن فسحنا مجالاً واسعاً للكائنات غير البشرية.

فهناك حركات عالمية فكرية وفلسفية تدعو إلى استخدام العلوم والتكنولوجيا المتقدمة والمتطورة كالذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والنانو، لتعزيز قدرات الإنسان العقلية والبدنية، للوصول إلى الإنسان الفائق القدرات التقليدية.

فهناك غير الروبوتات تقنيات لتحسين الذاكرة والقدرات الجسدية، ومحاربة الشيخوخة، والتخلص من الأمراض المختلفة، وهنا سيكون هناك فجوة اجتماعية، حيث سيخلق عدم مساواة بين من يملكون القدرة على تحسين أنفسهم تكنولوجياً ومن لا يملكون ذلك، فهناك تباين واضح في مستوى التدريس المتقدم بين الريف والحضر، فمدارس المناطق النائية في المحافظات المختلفة البعيدة عن العاصمة تعاني من عدم وجود مراكز ومدارس تتوفر فيها التقنيات الحديثة في التعليم، هذا التباين الواضح سيخلق حتماً صراعاً وجودياً.

والجنس البشري قابل للتطور إذا ما توفرت لديه الوسائل والإمكانيات التكنولوجية الحديثة، وينبغي تحسينه أينما وجد لتعزيز قدراته من كافة النواحي.

إن هذه الثورة التقنية والتكنولوجية رغم ما تحمله من إمكانات وفرص لتحسين جودة الحياة، وحمل القدرات البشرية إلى أفق جديد، فإنها وبنفس القدر أصبحت تهدد الحياة البشرية، حيث دمج الإنسان مع الآلة معاً، حيث يُختزل الإنسان تدريجياً، وما يحمله ذلك من مخاوف دينية وقيمية وأخلاقية، حيث يؤكد الخبراء ورجال الدين على ضرورة التمييز بين التكنولوجيا التي تساعد الإنسان والتكنولوجيا التي تسعى إلى تغيير الإنسان بالكامل على اعتبار أنها تطور البشرية، وإعادة النظر في الحدود بين الإنسان والتكنولوجيا الحديثة، فإلى أين نحن ذاهبون بوجود هذا التطور العلمي والتقني المستمر.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك