الأخبار

اسماعيل الشريف : الظافر والقاهر وخيبر

اسماعيل الشريف : الظافر والقاهر وخيبر
أخبارنا :  

«فقط عندما تكون أسلحتُنا كافية، يمكننا أن نكون على يقين أنها لن تُستَخدَم». جون كينيدي

في الذكرى السنوية لثورة 23 يوليو 1952، تصدّرت عناوين الصحف المصرية إعلانٌ مدوٍّ: «أطلقنا صاروخًا يبلغ مداه 600 كيلومتر». وظهر الرئيس جمال عبد الناصر في الصورة مرتديًا نظارة شمسية - ويُرجَّح أنها من طراز «بيرسول» الشهير - شاخصًا ببصره نحو السماء بكل فخر، فيما يحيط به مرافقوه تعلو وجوههم ابتسامات عريضة دون نظارات تحجب أعينهم. كان المشهد برمّته مفعمًا بالثقة، والصورة مدروسةً في تفاصيلها، كأنها صِيغت لتُجسّد لحظة انتصار تقني عربي طال انتظاره.

بيد أن الحقيقة كانت تختبئ خلف هذا البريق؛ إذ لم يكن المشروع الصاروخي في جوهره سوى حملة دعائية مُحكمة، أُسبغت عليها مسوح الإنجاز العسكري دون أن ترقى إليه فعلًا. فما اخترق السماء في ذلك اليوم لم يكن صواريخ بالمفهوم التقني الحقيقي، بل مقذوفات أُعدّت بعناية لتُحاكي مظهرها وتُوحي بقدراتها. أما ما آل إليه المشروع من نهاية، فقد دوّنته صفحات التاريخ بحبر لا يمحى.

في تلك الحقبة، تسابقت الصحافة الغربية على تضخيم ما وصفته بالإنجاز الاستراتيجي العربي المروّع، القادر على تهديد تل أبيب وزعزعة موازين المنطقة. غير أن لحظة الاختبار الفعلي حين جاءت عام 1967 لم تُبقِ لتلك الادعاءات من أثر؛ إذ حُسمت الحرب في غضون ست ساعات فحسب، وكان الحسم ساحقًا لصالح الكيان الصهيوني. وتكرّر هذا النمط من المبالغة قُبيل حرب 1991، حين رسمت وسائل الإعلام صورةً مضخّمة عن الجيش العراقي وصنّفته ثالث أقوى جيوش العالم، فإذا بالعملية العسكرية الأمريكية تمضي بسلاسة أقرب إلى نزهة عسكرية منها إلى مواجهة بين قوى متكافئة.

يظل التساؤل قائمًا ومُلحًّا: ما الذي يحمل وسائل الإعلام على المبالغة المنهجية في تصوير قدرات الخصوم وتضخيمها على هذا النحو؟ هل هو توظيفٌ مدروس لأداة الخوف، بهدف استنفار الرأي العام وتهيئته، وبناء التحالفات الضرورية، وتقديم مبررات مقنعة لخوض الحروب، ثم تصوير الانتصار في نهاية المطاف على أنه إنجاز عظيم تحقّق على حساب عدوّ كان عملاقًا لا يُقهر؟ أم أن الأمر يمتد إلى أبعاد أخرى، كتسويغ رفع الإنفاق العسكري وتسهيل تمرير صفقات التسليح الكبرى وتسريعها؟ فوسائل الإعلام، كما بات جليًّا لكثيرين، لا تقف خارج منظومة المجمّع الصناعي العسكري، بل تُشكّل في أغلب الأحيان ذراعًا من أذرعه الأكثر نفوذًا وتأثيرًا.

في السياق ذاته، يُتداول حديثًا أن الصاروخ الإيراني «خيبر»، الذي رُفع عنه الستار مؤخرًا، يحمل رأسًا حربيًّا يتراوح وزنه بين 1500 و1800 كيلوغرام، أي ما يتجاوز أربعة أضعاف الحمولة التدميرية للصواريخ التي سبق توظيفها ميدانيًا. ويذهب عدد من المحللين المتخصصين إلى أن تصميمه يُتيح من حيث المبدأ تجهيزه برأس حربي نووي، يُضاف إلى ذلك تزويده بتقنية متطورة للتوجيه تمنحه القدرة على تعديل مساره في المراحل الأخيرة من الاقتراب، مما يجعله قادرًا نظريًّا على استهداف أهداف متحركة كالتشكيلات البحرية الأمريكية. وبهذا نكون أمام منظومة صاروخية تتمتع بإمكانات تدميرية لافتة، غير أن التمييز بين امتلاك هذه القدرة وتوظيفها في حسم المعارك يبقى مسافةً جوهرية لا يجوز تجاهلها أو القفز فوقها.

قد تجد طهران نفسها في مواجهة انتكاسة تكتيكية على جبهة بعينها، بيد أن الثمن الحقيقي قد يكون هزيمةً استراتيجية تطال واشنطن وحليفها الكيان الصهيوني في العمق. والمقصود بهذه الهزيمة الاستراتيجية أن تُقدم إيران على استهداف إحدى البوارج الحربية الأمريكية، فتُوجّه بذلك ضربةً موجعة لهيبة الولايات المتحدة ومكانتها على الصعيد الدولي. وإن نجحت في النيل من منشآت استراتيجية إسرائيلية ذات ثقل - كقواعد عسكرية أو مفاعلات نووية أو منظومات البنية التحتية المائية الحيوية - فإن الرد المتوقع وإن اتسم بالشراسة والعنف، لن يكون قادرًا على طمس حقيقة ظلت شاخصة منذ طوفان الأقصى: أن معادلة الردع التي تآكلت ركائزها باتت تواجه اختبارًا وجوديًا عسيرًا يصعب تجاوزه أو التهوين من شأنه.

لا جدال في أن صاروخ «خيبر» الإيراني يمثّل واقعًا ماديًا ملموسًا، على النقيض التام من صواريخ عبد الناصر التي لم تعش إلا في عناوين الصحف الصاخبة، بينما ظلت غائبة عن ميادين الاختبار الفعلي. فقد أثبتت إيران بما لا يدع مجالًا للجدل أنها تمتلك قدرات صاروخية أثبتت فاعليتها ميدانيًا وطالت الكيان المحتل. ومع ذلك، يبقى احتمال أن تكون هذه القدرات مُضخَّمة بعض الشيء لأغراض الردع النفسي احتمالًا قائمًا ومشروعًا لا يمكن استبعاده. أما الحقيقة الكاملة والكاشفة فلن تتجلى في نهاية المطاف إلا إذا أقدمت إيران - لا قدّر الله - على المضيفي تنفيذ ما تُلوّح به من تهديدات.

مواضيع قد تهمك