رمزي الغزوي : على هامش يوم الحب
في الحروب والكروب يُمحَّصُ الحبُّ، وتختبر أعماق جذوره ومتانة فروعه وجدوى وجوده، وفي عراءات البرد والتشريد والتشظي ندرك ظلال الدفء الذي يشعله فينا ويبقينا على مدارج الحياة. الحب ذهب لا يكشفُ زيفه وخبثه إلا النار ولهيبها الهدار. ولأن العشب أكثر اخضرارا على الضفة الثانية لهذا سيكون الحب سهلا في الحديث على من لم يذق عسيلته الندية أو مرارته الأبدية.
يأتينا يوم الحب في ديستوبيا واقع مرير لم يخطر لأحد حتى في كوابيس الشؤم والهلع. يأتي وفي خاطره أن يبلسم فينا جرحا فاغرا شرها. يأتينا حاملا وردته الحمراء طالبا منا أن نعلي من شأن الحياة ونقمع الموت وصوته.
الورد الأحمر لغة أخرى لا صلة لها بكل ثرثرات العالم ولثغاته. هي لغة ليست من كلمات أو آهات. الوردة الحمراء قلب عاشق ملتاع. قلوبنا الراعشة كسمكة غادرت نهرها الشاهق. قلوبنا إذ نهديها لأحبتنا ملفوفة بأنفاسنا الحرّاقة.
اليوم سنحتاج إلى وردة حمراء كبيرة كقبلة على شوق وغياب. وردة أكبر من هذا التعب الذي نخرنا كسوس الحطب. وسنحتاج ليوم لا تغرب شمسه قبل سنة أو قرنين من الزمان. بل سنحتاج لعيد من نوع آخر يشعرنا بنبض حرارتنا عن بعد، فما زال الرماد يخبئ جذوات من جمرنا.
لكنا في هذا الزمن المنزوع منه دسم الحب صرنا نتظاهر بأننا نحب ونعشق. بعد أن غدونا آلات مبرمجين. لا يدهشنا شيء ولا يلفتنا شيء. وبعد أن نسينا في غمرة تيهنا أن الأوكسجين أو الماء أو الهيدروجين ليست هي الأشياء التي جعلت الحياة متاحة وممكنة على كرة الأرض. إنه الحب من جعل كوكبنا عشنا المؤثث بالحياة.
العشاق الحقيقيون لا يقفون عند يوم وحيد للحب، يوم يمر مرور الطيف، بل هم دوماً على قيد الحب، دوماً يتجددون ويستعيدون أنفسهم عشاقا للمرة الأولى، كل واحد منهم سيستعيد نفسه حين رمى وردته الأولى بخجل في درب حبيبته أم شعر كذيل حصان. عندها نحس كم كبرنا بالحب، وكم جعلنا مختلفين هذا الحب. لقد كبرنا وظلت أخطاؤنا تكبرنا بسبعةِ أقمار، ولكننا لم نأبه بشيء، فحبيبي ما زال يسجِّل أخطائي بقلم رصاص صغير وبيده ممحاة بحجم السماء.
عالمنا الاستهلاكي قزّم الحب وضغطه وحجّمه وحشره في زجاجة عطر صغيرة واختصره في يوم واحد ووردة بلاستيكية ويريدنا أن نحتفي به في يوم وحيد، بل وجعل من الحب لغة للجسد. فصرنا نحب بعيداً جداً عن جوانية الروح وخلجاتها.
فهل سيكون علينا أن نصنع وردةً من قلوبنا؟ وردةً أكبر من كل ورود القديس فالنتاين، ثم نهديها إلى جراحنا الراعفة. فبالحب نبرأ وبالحب نطيب. وقد لا نحتاج لثمة وردة حقيقية من بتلات وعطر، بل نحتاج للمحبة البسيطة الصادقة. في يوم الحب نريد قلوباً لا تصاب بالاحتشاء المادي وشرايين لا تتكلس بتوافه الأمور. نحتاج وروداً لا تذبل أبداً. نحتاج إلى قلب طازج مثل وردة حمراء أيقظها الندى. فالحب دوم، وليس ليوم. ــ الدستور