القس سامر عازر : مدعوون لأن نكون عونا للحياة والرجاء..

القس سامر عازر
بين الحين والآخر، تهزّنا مشاهد لا نعرف كيف نواجهها؛ لا بعقلنا، ولا بعواطفنا، ولا حتى بإيماننا. شاهد كثيرون مؤخرًا فيديو لسيدة في كندا عانت كثيرا من مرض السرطان، وقد اختارت أن تنهي حياتها بالموت الرحيم بمساعدة طبية ما يسمى MAiD (Medical Assistane in Dying) اي المساعدة الطبية في الموت. لحظة صامتة لكنها ثقيلة، جلست تودّع من تحبهم، لتأخذ العقار الأخير بحقنة في الوريد وكأنها تسلم مفاتيح الحياة طواعية، وتخرج من المشهد بإرادتها.
هذا المشهد يطرح سؤالًا ملحًا، هل نحتاج حقًا إلى المساعدة الطبية في الموت؟ وهل بات خيار إنهاء الحياة، بإسم الرحمة، خيارًا واقعيًا علينا أن نناقشه بجرأة ومسؤولية في مجتمعاتنا؟
نحن أبناء بيئة تؤمن أنَّ الحياةَ هبةٌ من الله، لا نملكها ولا نتحكم بنهايتها كما نشاء. وقد تعلّمنا من تراثنا الروحي والإنساني أن الألم قد يكون طريقًا للعمق، ومساحةً للرجاء، وأن نهاية الحياة ليست انطفاءً، بل عبورًا إلى ملء الحياة، إلى الأبدية.
في واقعنا، ثمة أناس يتألمون بصمت، يعانون من أمراض لا شفاء منها، وأحيانًا يصرخون دون أن يُسمعوا. لكن هل يكون الجواب هو إنهاء حياتهم؟ أم أنَّ الجوابَ هو أن نكون معهم، أن نرافقهم، أن نكون "عونا" لا للموت بل للحياة حتى لحظاتها الأخيرة؟ نحتاج أن نسأل أنفسنا: هل نحن نرافق المتألمين بحب؟ هل نحيطهم بكرامة وإنسانية؟ هل نوفر لهم رعاية تلطيفية، وعونًا روحيًا، ووجودًا لا يهرب من الألم بل يعانقه بشجاعة؟
الموت الرحيم كما يُطرح في بعض المجتمعات وكما قد يطلبه البعض، وإن بدا مغطى بلغة الرحمة، قد يخفي في طياته وحدةً قاسية، وانهيارًا للمعنى، وفقدانًا للرجاء. كم هو مؤلم أن يشعر الإنسان أن لا أحد يحتمله، أو لا أحد مستعد أن يكون إلى جانبه حتى النهاية. وهنا، تصبح الحاجة الكبرى ليست في العقار الذي يُنهي الحياة، بل في القلب الذي يرافقها، في اليد التي تمسك بها.
في واقعنا العربي لا تزال لدينا قيم العائلة، ودفء الإيمان، ووصية المحبة، التي تجعلنا لا نترك أحدًا وحده في وجعه. لا نحتاج إلى تشريعات تبيح إنهاء الحياة، بل إلى تشريعات ومؤسسات ترعى كرامة الحياة، حتى في انكساراتها الأخيرة.
ربما السؤال الأعمق الذي يجب أن نطرحه هو: ماذا يعني أن نحب إنسانًا مريضًا، ضعيفًا، متألما؟ ومتى تصبح المحبة شجاعة لا تهرب من ألم الآخر، بل تحضنه؟
لسنا بحاجة إلى مساعدة للموت، بل إلى مساعدة للرجاء. إلى رفقة إنسانية ترفض أن تحصر الكرامة في الجسد، أو القوة، أو الإنتاجية، بل تراها في الوجود ذاته، في النفس التي لا تزال تتنفس، مهما كانت ضعيفة.
ولعل أعظم شهادة نقدر أن نقدمها اليوم، ليست أن نموت كما نشاء، بل أن نحب كما يجب، حتى الموت.