خلدون ذيب النعيمي : إحياء طريق الحرير الأردني
لطالما مثلت طرق التجارة القديمة عصب الحضارة والاقتصاد والقوة السياسية في العالم القديم وكانت السيطرة على هذه الطرق بمثابة الهيمنة على مفاتيح الاقتصاد والتجارة التي تساهم في القوة السياسية للدولة ، وفي ذلك كانت حروب الاسكندر المقدوني واهتمام الدولة الرومانية بالسيطرة على مراكز التجارة في البترا وتدمر ومصر وحروبها مع الفرس تأكيداً لكونهم قوى عظمى في ذلك الوقت .
ومثل طريق الحرير القديم ما بين الصين والهند واوروبا الطريق الاهم على مدى عقود طويلة وما نراه حاليا من اهتمام الدول التي يمر فيها هذا الطريق بإحيائه لغايات اقتصادية وسياحية الا تأكيداً لذلك .
خلال جلسة جمعتني مع الباحث في مجال السياحة والاثار الدكتور محمد وهيب في مكتبه في الجامعة الهاشمية حدثني انه خلافاً لما كان يشاع ان طريق الحرير اقتصر على الجزء الاسيوي الشمالي المعروف فقد كان هنالك مسرب اخر لطريق الحرير التاريخي عبر الأراضي الاردنية ، حيث يمتد جنوبا ً من البترا بموقعها المميز بين البحر الأحمر والبحر الميت والتي كانت مأهولة بالسكان . واضاف الدكتور وهيب أن القرن الثالث عشر قبل الميلاد شهد نشاطاً تجاريّاً قاده الانباط لطرق التجارة الممتدة من دمشق إلى شبه الجزيرة العربية والتي جاء معظمها على طول طريق الحرير ، وبالتالي أصبحت البترا خلال العصر الهلنستي والروماني مركزًا رئيسيًا لقوافل البخور والحرير الصيني وتوابل الهند ومفترق طرق بين شبه الجزيرة العربية ومصر وسوريا وفينيقيا على سواحل المتوسط .
وبالنظر لنتائج ابحاث الدكتور وهيب فان طريق الحرير يمر عبر معظم المدن التاريخية من ايليا (العقبة) جنوباً مروراً بالبترا «التي كانت عقدة مواصلات بين الجزيرة العربية واليمن ومصر والشام» ومنها الى الكرك والربة وذيبان وفيلادلفيا وصولاً لجراسا وجدارا وام الجمال في الشمال لتستمر الى بصرى ودمشق وكان بمثابة الطريق الجنوبي لطريق الحرير التاريخي ، ومحطاته الاردنية كانت من الاهمية الاقتصادية والسياحية ما يدعو بقوة لإبرازها كمعلم وطني يعزز القيمة التاريخية له على مختلف الاصعدة ، هذا الى جانب اهمية التوسع بكشف حيثيات اهميته من خلال الكشف الاثري فأن ابرازه اعلامياً على المستوى المحلي والخارجي سيكون رافداً وطنياً مهماً سياحياً واقتصادياً وتاريخياً.
الأرض الاردنية كانت عبر تاريخها عامرة بالحضارات التي لعبت دوراً مهما في سير الاحداث على مستوى المنطقة ، وتبرز أهمية بيان الاردن كممر رئيسي لطريق الحرير القديم وان اختلف فيه اسلوب التجارة ليصبح بمثابة شبكة عالمية من الموانئ وسكك الحديد والمراكز اللوجستية وسلاسل الإمداد والاسواق وتدفقات الطاقة والبيانات ، ولا يغيب عن الذهن المشروع الذي اطلقته الصين في الاعوام الاخيرة بعنوان «الحزام والطريق» وذلك على أنقاض طريق الحرير القديم الذي يهدف لربط الصين بالعالم عبر استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية على طول طريق الحرير القديم ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية ويشمل ذلك بناء مرافئ وطرقات وسككا حديدية ومناطق صناعية.
وبالنظر لما سبق تبرز اهمية ان يكون هنالك استراتيجية شاملة تشارك فيها مؤسساتنا الوطنية من جامعات والقطاعات الاقتصادية والتقنية والاعلامية تهدف لإعادة بيان وتسويق وتعريف طريق الحرير الاردني وتحديث ادواته بشكل عصري يلبي المطلوب منه وطنياً وعالمياً على مختلف الاصعدة.