اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. جواد العناني : المسلمون والعالم

د
أخبارنا :  

كلنا يحب أن يستشف ما تخبئ الأيام، وجميعنا يعلم أن المنجمين يكذبون حتى عندما تصح نبوءتهم بحدوث أمر ما. ومَن مِنا يرفض أن تقرأ له سيدة او رجل فنجان قهوتها؟، ومَن منا لا يتعبه سعيه لاطلاع الغيب خاصة في أقصى الظروف وأصعبها.


ولا داعي لأن اعيد إلى المشهد ما يجري في منطقتنا العربية من مآس تهتز لها الابدان وتقشعر منها. ولكن نرى أن الوضع قد انقلب ضد العرب والمسلمين، واعداؤهم لا يحتاجون سوى الاستمتاع ببعضنا يقتل بعضا.


اليمن والسودان ولبنان وسوريا والحرب الدائرة على الأراضي السعودية، وانكفاء كل دولة على نفسها تقول ما قاله الشاعر امرؤ القيس:


وَقَد طَوَّفتُ في الآفاقِ حَتّى

رَضيتُ مِنَ الغَنيمَةِ بِالإِيابِ


وحتى الاياب الآمن لم يعد كذلك


والواقع أن كثافة وديناميكية ما يجري في منطقتنا أكبر مما يجري في مناطق العالم الأخرى، إلا أنني اشك أن بشرا يعيشون ويتنفسون لا تضج بهم مشاعر الخوف والقلق على مصيرهم وعلى مستقبل ابنائهم من حالة عدم اليقين التي يعيشها العالم، وكلها تشي بأن المستقبل قد يكون أكثر ظلمة وكآبة.


انظر إلى الهند التي يتغنى كثيرون بانجازاتها وصعودها إلى مصاف الدول العظمى، فترى ان فيها احتجاجات عنيفة على حكام الولايات، والحكام القائمين ممثلين بحزب "جناتا" الحاكم. والطلاب المتظاهرون ومعهم مؤيدوهم يسمون حركتهم الاحتجاجية "بالصراصير" او "Cockroaches".


وانظر إلى حركة الطلاب في فرنسا وهم يتظاهرون على تراجع الخدمات التعليمية ونضوب فرص العمل، وتناقص القدرة الشرائية عن الوفاء بالحاجات الاساسية. وكذلك الحال في كثير من دول أوروبا مثل إسبانيا، وبعض دول شرق أوروبا وحتى ألمانيا.. أغنى دول أوروبا تئن تحت وطأة الاضطرابات العالمية من غلاء وارتفاع في أسعار الشحن، والتقلب في مصادر المواد الأساسية كما وسعرا وشحنا. ونفس الوضع ينطبق على دول في أفريقيا، ووسط آسيا وأمريكا اللاتينية.


وبعد فترة قاربت عقدين من الزمان أو أكثر، رأينا فيها النقابات المهنية تتراجع كقوة مناوئة لأصحاب الأعمال مما جعل ارباح الشركات الكبرى والاحتكارية تحقق مبالغ طائلة وتجمع ثروة هائلة بسبب تراجع الأجور. ولعل التاريخ الاقتصادي الدولي يؤكد لنا أن اسوأ توزيع للدخل والثروة في العالم قد جاء في اعقاب الثورة الصناعية الأولى التي امتدت لتشمل شمال أوروبا والولايات المتحدة. وهذا ما جعل الطبقات العاملة وأصحاب الدخول الثابتة يتعاطفون مع فكرة عجز النظرية الرأسمالية عن إدارة التوازن بين العرض والطلب في اسواق العمل، وأسواق السلع والخدمات، والأسواق المالية.


وبدا أن عددا قليلا من الرأسماليين قد هيمنوا على حياة الناس. فزاد الفقراء فقرا والاغنياء غنى. واساء الاغنياء بالرغم من انجازاتهم الصناعية والانبهارات الفذة التصرف في إعادة تدوير الدخل والثروة مما شكل الحركات اليسارية في العالم سواء دعوها بالشيوعية ام بالاشتراكية ام بالرأسمالية الاجتماعية.


وعليه دخل العالم بعد انهيار الامبراطوريات الأوروبية في حروب (العالمية الاولى) وواجه ثورة البولشيفيك في روسيا، ولحقت بها بعد الحرب العالمية الثانية دول كثيرة مثل الصين (ماو تسي تونغ)، وعدد من الدول الأوروبية والآسيوية، ولما كثرت الانقلابات التي سميت ثورات، صار الكل يجد في النموذج الماركسي اللينيني ضالته. فيسمي حركته اسما يعطي الانطباع أنه يمثل الشعب، ولكن سرعان ما ينكشف الغطاء ليتبين أن الذين ربحوا هم القائمون على الانقلابات، والذين تنكروا لكل ما ادعوا انهم قاموا بالثورة لأجله.


والسؤال الآن: هل يواجه العالم الان بعد الثورة الصناعية الرابعة، وعلى أبواب الثورة الصناعية الخامسة خطر التدهور في الاوضاع وبشكل اكثر عنفا وتهورا مما جرى في مطلع القرن العشرين؟ دعونا نتأمل..


لقد بلغ عدد سكان العالم عام 1927، أي قبل مئة عام تقريبًا، (2 مليار) نسمة بينما نما العالم سكانيا خلال الفترة (1804 - 1927) من مليار واحد إلى مليارين. أمّا في المئة سنة الأخيرة فقد قفز العالم من 2 مليار العام 1927 إلى 8.4 مليار نسمة، أي أن سكان العالم قد ارتفعوا إلى أكثر من 4 اضعاف خلال القرن الأخير. وهذا العالم المكتظ قد حقق انجازات كبيرة علمية لتوفير حاجاته، لكن الازدحام ولد طبقات من الانظمة غير الرسمية داخل المدن الكبرى والظلم الاجتماعي، وظهرت العصابات والتكتلات خارج إطار الدولة، ما أربك هذا العالم وجعل من غالبية سكانه ضحايا للاستغلال والرق والبطالة والجوع والحروب.


ويقول لنا توماس بيكيتي الاقتصادي الفرنسي إن فئة قليلة من سكان العالم تستحوذ على معظم الدخل والثروة، ولم يكتف هؤلاء بالسيطرة، وإنما صاروا يتحكمون بفضل قوتهم واهميتهم في القرارت الحكومية حتى تدير دفة الأمور لصالحهم. وقد أيد كثير من المحللين والخبراء الاقتصاديين تلك النتائج، وإن اختلفوا على نسب التحكم في الدخل والثروة.


إذن نحن قد نكون في العالم المنكود "على شفا جرف هار" كما تقول الآية (109) من سورة التوبة، او كما يقول الانجيل "armegeddon" حين يدخل العالم كله في حرب طاحنة. والمؤشرات العامة التي نقرؤها تقول إن العالم يسير نحو ذلك المصير. ولكن السؤال: هل من الممكن أن تسف البشرية الى الدرك الأسفل مستخدمة اسلحة الدمار الشامل متذرعة بالقول السائر "علي وعلى اعدائي"، او ما يسمى احيانا بالحل الشامشوني.


آن الآوان في تقديري أن يقوم العالمان العربي والاسلامي بصفتهما أكثر مناطق الكون عرضة للحروب والاعتداءات أن تتخذ موقفا موحدا كي تحسن من اوضاعها، وتجد لنفسها نظاما لضمان ذلك. وللتوضيح فإن بعض الأمثلة ضرورية.


فنصيب الدول الـ 57 الاسلامية من مجموع سكان العالم يقارب 2 مليار نسمة او حوالي ربع سكان الكرة الأرضية. اما في مجال البطالة فإن معدلها في العالم هو 5.0% بينما تبلع في العالم الإسلامي حاليا رغم عدم دقة الارقام 5.3 %، وتصل الى 10.9% بين صفوف الشباب. وأما بالنسبة للفقر المدقع فهو يقارب 10% في العالم مقابل 35% بين المسلمين، ونسبة "عدم الأمن الغذائي" فتقدر بحوالي 30% من سكان العالم مقابل 60% بين المسليمن. وبغض النظر عن اي مقياس نستخدم، فإن المسلمين ومنهم العرب في حالة ضنك كبيرة.


إذا تمكنا من احياء التعاون والتنمية وطبقنا الزكاة والصدقات لننعش بها اقتصاديات العالم الإسلامي والعربي، فإننا سوف نقلل من التطرف، والميل نحو العنف، والسخط في التعبير والتحرك، ونتحرر من تحكم الآخرين، وتجد الدول الأغنى والأصغر استنفارا كبيرا من الدول الأسلامية الكبرى ذات الأعداد الكبيرة من السكان عندما تلحق بها أزمة، ولن تتجرأ دول على حروبنا او أن تبقينا ضمن دائرة اطماعها وجشعها، الذي لم يعد البعض يخفيه.


ونحن بحاجة إلى قيم التسامح المسيحية وقيم الكرامة الإنسانية في الإسلام، لنستعيد الألق الذي كان لنا. الفرصة متاحة، والدعوة هنا إلى مخرج من الإسلام المتطرف العنيف إلى القابل للآخر. آن الآوان للأكثرية الصامتة الإسلامية والعربية أن تعلن أنها أمة وسط وأننا دين التوازن بدون غلو او تعصب.



مواضيع قد تهمك