د. محمد فخري صويلح : رأس المال الإسلامي خارج الميزانية المصرفية: كيف نحوله إلى منظومة تمويل تنموي؟
في الاقتصادات التي تبحث عن مصادر جديدة للنمو،، يبرز سؤال محوري عنوانه كيف نعيد تنظيم رأس المال المتاح بحيث ينتقل إلى الاستثمار المنتج، ويولد قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة؟
وهنا تبرز فرصة غير مستثمرة بالقدر الكافي في الاقتصادات العربية والإسلامية، تتمثل في رأس المال الإسلامي خارج الميزانية المصرفية والمتمثل في الوقف، والصكوك، وصناديق الاستثمار، والاستثمار المؤثر، والتمويل الاجتماعي الإسلامي، وما يمكن أن ينشأ بينها من هياكل تمويلية جديدة.
هذه الأدوات ليست بدائل للمصارف الإسلامية، ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها منافسة لها،،، بل يمكن أن تشكل معها منظومة متكاملة لتعبئة رأس المال طويل الأجل وتوجيهه إلى الاقتصاد الحقيقي.
وتكتسب الفكرة أهمية خاصة في الأردن في هذه المرحلة، مع دخول البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029 حيز التنفيذ، وما يتضمنه من مشاريع استثمارية وشراكات بين القطاعين العام والخاص، وحاجة متزايدة إلى تنويع مصادر التمويل ورفع جاهزية المشاريع للاستثمار.
لقد حدد البرنامج التنفيذي الثاني ثمانية محركات و25 قطاعاً، ويتضمن مئات المشاريع والمبادرات، مع تركيز واضح على الاستثمار، والشراكة مع القطاع الخاص، والخدمات المالية، والبنية التحتية، والصناعات عالية القيمة والموارد المستدامة،،، وهذا يعني أن التحدي لم يعد في تحديد المشاريع فقط، وإنما في بناء منظومة تمويل تستطيع نقل المشاريع من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الإغلاق المالي والتنفيذ.
من التمويل إلى منظومة رأس المال
المشكلة في كثير من التجارب العربية أن كل أداة مالية تعمل في مسار منفصل،،، فالوقف يعمل غالباً في المجال الخيري أو الاجتماعي، والصكوك تُستخدم بصورة أساسية كأداة تمويل أو إدارة سيولة، والمصارف تركز على التمويل الائتماني، وصناديق الاستثمار تبحث عن العائد، بينما يظل الاستثمار المؤثر مفهوماً ناشئاً لم يتحول بعد إلى سوق مؤسسية واسعة.
لكن هذه الأدوات، إذا صُممت ضمن إطار وطني متكامل، تستطيع أن تؤدي وظائف مختلفة داخل دورة رأس المال نفسها،،، فالوقف يمكن أن يوفر رأس المال الصبور أو الأصول الأساسية، والصكوك يمكن أن تعبئ المدخرات المؤسسية وتمول الأصول والمشروعات، وصناديق الاستثمار يمكن أن توفر رأس المال المساهم، بينما يمكن للاستثمار المؤثر أن يضيف معياراً جديداً لقياس النتائج الاجتماعية والاقتصادية إلى جانب العائد المالي.
الانتقال المطلوب ليس من أداة إلى أداة، بل من إدارة الأدوات منفردة إلى هندسة منظومة رأس مال متكاملة.
وهذه الفكرة ليست افتراضاً نظرياً،،، فقد تناول البنك الدولي منذ سنوات إمكانية توظيف الصكوك في تمويل التنمية والبنية التحتية، وأشار إلى قدرة أدوات التمويل الإسلامي على ربط التمويل بالأصول والمشروعات الحقيقية، كما شهد سوق الصكوك تطوراً ملحوظاً عالمياً، بما في ذلك الصكوك الخضراء والمستدامة.
الوقف،،، من أصل محبوس إلى رأس مال تنموي
ولعل أحد أهم التحولات المطلوبة يتعلق بإعادة النظر في إدارة الأصول الوقفية،،، فالوقف ليس مجرد أصل يجب الحفاظ عليه، وإنما هو في جوهره رأس مال مخصص لتحقيق غرض مستدام،،، وإذا كانت الأصول الوقفية تدار بكفاءة، فمن الممكن أن تشكل قاعدة لرأس مال طويل الأجل لا يبحث عن العائد المالي وحده، وإنما عن عائد مالي متوافق مع الغرض الوقفي وأثر اجتماعي قابل للقياس.
ومن هنا يمكن تطوير نماذج مثل صناديق الوقف الاستثمارية، والوقف المنتج، والوقف المرتبط بمشروعات البنية التحتية الاجتماعية، والهياكل التي تجمع رأس المال الوقفي مع رأس المال الخاص.
لكن ذلك يتطلب حوكمة مختلفة،،، سياسات استثمار واضحة، وتصنيفاً للأصول، وإدارة مخاطر، ومؤشرات أداء، وإفصاحاً، وتدقيقاً، وفصلاً واضحاً بين مال الوقف والجهات القائمة عليه،،، فقوة الوقف المستقبلية لن تقاس بحجم أصوله فقط، وإنما بقدرته على تحويل الأصول غير المستغلة إلى تدفقات نقدية وأثر تنموي مستدام.
الصكوك من أداة تمويل إلى منصة لتعبئة رأس المال
أما الصكوك، فإن قيمتها الاستراتيجية تتجاوز مقارنتها بالسندات التقليدية، لأنها تتيح – وفق هيكلها الشرعي والقانوني – تعبئة رأس المال حول أصول أو مشروعات أو تدفقات اقتصادية،،، فالصكوك تستطيع، وفق الهيكل المناسب والإطار القانوني والتنظيمي الملائم، أن تربط المستثمر بمشروع أو أصل أو تدفق نقدي محدد، وأن تفتح المجال أمام شرائح مختلفة من المستثمرين، بما فيها المؤسسات الاستثمارية.
وهذا يجعلها مناسبة بصورة خاصة للمشروعات التي تحتاج إلى تمويل طويل الأجل، مثل البنية التحتية والطاقة والمياه والنقل والمشروعات العقارية المنتجة وبعض مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وقد بدأت المملكة الأردنية الهاشمية عملياً في استخدام الصكوك كأداة تمويلية في المجال البلدي؛ إذ اتخذ مجلس الوزراء في عام 2026 قراراً يتعلق باستخدام الصكوك الإسلامية طويلة الأجل لتمويل مشروعات رأسمالية لأمانة عمان، بما يعكس انتقال الصكوك من النقاش النظري إلى الاستخدام العملي في تمويل الأصول والمشروعات.
والفرصة الآن هي الانتقال من إصدار الصكوك عند الحاجة إلى تمويل معين إلى بناء سوق ومشروعات قابلة للتوريق والإصدار بصورة منتظمة، مع تطوير قاعدة المستثمرين، ورفع جودة الإفصاح، وتوحيد الهياكل قدر الإمكان، وتعزيز الجاهزية القانونية للمشروعات.
الاستثمار المؤثر،،، الحلقة التي تربط المال بالنتيجة
يبقى الاستثمار المؤثر الحلقة الأكثر أهمية في هذه المنظومة، لأنه يغير السؤال من أين استثمر المال؟ إلى ماذا أنتج المال؟
فالمشروع التنموي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الدنانير التي استثمرت فيه، وإنما أيضاً بعدد فرص العمل التي خلقها، والإنتاج الذي أضافه، والخدمة التي طورها، والطاقة التي وفرها، والأثر الاجتماعي الذي حققه.
وهنا يمكن للأردن أن يطور إطاراً وطنياً للاستثمار المؤثر يربط بين التمويل الإسلامي، والصناديق الاستثمارية، والوقف، ومشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع اعتماد مؤشرات موحدة لقياس الأثر.
وهذا يتسق مع التحول العالمي من تمويل المشاريع إلى تمويل النتائج، ومع الاتجاه المتزايد نحو التمويل المستدام والصكوك الخضراء والاجتماعية والمستدامة،،، مع الانتباه إلى أن رأس المال الذي لا يستطيع إثبات أثره الاقتصادي والاجتماعي سيظل مالاً مستثمراً،،، أما رأس المال الذي يقيس أثره ويعيد توجيهه بناءً على النتائج فيتحول إلى أداة للسياسة الاقتصادية.
ماذا يحتاج الأردن؟
لا يحتاج الأردن بالضرورة إلى إنشاء مؤسسات جديدة لكل أداة من هذه الأدوات،،، فالمشكلة ليست دائماً نقص المؤسسات، وإنما ضعف الترابط بينها،،، وأقترح في هذا السياق ثلاثة مسارات تنفيذية،،،
أولاً: إنشاء منصة وطنية لرأس المال الإسلامي التنموي.
تكون مهمتها حصر المشروعات القابلة للتمويل، وتصنيفها وفق القطاعات والمخاطر والعوائد والأثر، وربطها بالمصارف الإسلامية والصناديق والمستثمرين ومؤسسات الوقف والصكوك.
ثانياً: تطوير إطار وطني للصكوك التنموية والاستثمار المؤثر.
بحيث لا تقتصر الصكوك على التمويل الحكومي أو البلدي، وإنما تمتد إلى مشروعات البنية التحتية والطاقة والمياه والنقل والمشروعات ذات الأولوية في البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي، مع تحديد معايير واضحة للأثر والإفصاح.
ثالثاً: بناء نموذج مؤسسي للوقف الاستثماري التنموي.
يقوم على الإدارة الاحترافية للأصول الوقفية، وتنويع المحافظ، وإدارة المخاطر، وقياس العائد المالي والاجتماعي، وإمكانية الدخول في هياكل تمويل مشتركة مع القطاع الخاص والمصارف الإسلامية والصناديق الاستثمارية.
هذه المقترحات لا تعني تحميل الوقف أو المصارف الإسلامية أهدافاً ليست من اختصاصها، ولا تعني تحويل العمل الخيري إلى نشاط استثماري مجرد،،، بل تعني بناء حدود مؤسسية واضحة تسمح لكل مصدر من مصادر رأس المال بأن يؤدي الوظيفة التي يجيدها داخل منظومة واحدة.
من رؤية التحديث الاقتصادي إلى هندسة رأس المال
والبرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي لا يعاني من نقص في الطموح أو عدد المبادرات؛ والتحدي الحقيقي فيه هو ضمان وجود رأس المال المناسب في الوقت المناسب وبالهيكل المناسب،،، ومن هنا، فإن تطوير منظومة رأس المال الإسلامي يمكن أن يكون أحد مسارات التمويل المساندة للرؤية، لا بديلاً عن التمويل التقليدي ولا منافساً له.
فإذا كان الهدف هو زيادة الاستثمار، وتحفيز القطاع الخاص، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الصناعات عالية القيمة، وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي قابل للقياس، فإن المطلوب ليس المزيد من الأدوات المالية بقدر ما هو إعادة هندسة العلاقة بين الأصول ورأس المال والمشروعات والمستثمرين والنتائج.
وهذه مسؤولية مشتركة بين الحكومة والبنك المركزي والجهات الرقابية والمؤسسات المالية وقطاع الأوقاف وسوق رأس المال والقطاع الخاص،،، فالمستقبل ليس لمن يملك أكبر حجم من رأس المال، وإنما لمن يمتلك أفضل منظومة لتحويل رأس المال إلى قيمة.
وفي تقديري، فإن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لبناء نموذج إقليمي في هذا المجال إذا انتقل من التعامل مع الوقف والصكوك والاستثمار المؤثر باعتبارها ملفات منفصلة، إلى التعامل معها باعتبارها مكونات لمنظومة وطنية واحدة لتعبئة رأس المال طويل الأجل وتمويل التنمية.
وهنا تحديداً يمكن للمصرفية الإسلامية أن تنتقل من كونها قطاعاً مالياً مهماً إلى أن تصبح أحد مكونات البنية التحتية للتمويل التنموي في الاقتصاد الوطني،،، فالمطلوب ليس البحث عن أداة إسلامية جديدة، بل أن نبني منظومة تجعل كل دينار من رأس المال الإسلامي قادراً على الوصول إلى المشروع المناسب، والمستثمر المناسب، والهيكل المناسب، والنتيجة التي يمكن قياسها.