اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د.بلال محمود الوادي : عندما تكبر الأفـــكـــــــار.. تتغير ملامح الاقـــتـصـــــاد

د.بلال محمود الوادي : عندما تكبر الأفـــكـــــــار.. تتغير ملامح الاقـــتـصـــــاد
أخبارنا :  

لم تعد الفكرة الجيدة كافية. فالعالم في 2026 لا يكافئ من يبتكر فقط، بل من يعرف كيف يحول الابتكار إلى شركة، والشركة إلى سوق، والسوق إلى نفوذ اقتصادي. وبين ولادة الفكرة ووصولها إلى العالم توجد المسافة التي تُصنع فيها الاقتصادات الجديدة.

الأردن يمتلك نقطة انطلاق مهمة. ففي 2026 جاء في المرتبة 68 عالمياً والخامسة في الشرق الأوسط ضمن تصنيف StartupBlink للمنظومات الريادية، مع نمو سنوي بلغ 41.2 %، فيما تجاوزت إيرادات قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات 3.6 مليار دولار، موفراً أكثر من 46 ألف وظيفة. هذه الأرقام تقول إن الريادة والتكنولوجيا لم تعودا نشاطاً جانبياً، بل أصبحتا جزءاً قابلاً للنمو من الاقتصاد الوطني.

لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغيير السؤال. فبدلاً من أن ننشغل بعدد الشركات التي تبدأ، علينا أن ننشغل بعدد الشركات التي تكبر. وهذه ليست مسألة لغوية بين Startup وScaleup؛ إنها الفارق بين مشروع يبحث عن أول عميل، وشركة تبحث عن سوقها العاشر، وبين فكرة تحتاج إلى تمويل، وشركة أصبحت قادرة على جذب رأس المال لأنها أثبتت قدرتها على النمو.

والعالم يتحرك بهذا الاتجاه بسرعة. فقد تجاوز الاستثمار العالمي في رأس المال الجريء 560 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، فيما شهد الربع الثاني وحده أكثر من 8,400 صفقة بقيمة تجاوزت 227 مليار دولار. رأس المال لم يختفِ؛ لكنه أصبح أكثر ذكاءً وانتقائيةً. المستثمر اليوم لا يسأل فقط: ماذا ابتكرت؟ بل يسأل: كم بسرعة تستطيع أن تنمو؟ وإلى كم سوق تستطيع أن تصل؟

ويضيف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة إلى هذه المنافسة. فتقرير Stanford AI Index 2026 يشير إلى أن 88 % من المؤسسات أصبحت تستخدم الذكاء الاصطناعي في أعمالها. وهذا التحول يمنح الشركات أدوات غير مسبوقة في تطوير المنتجات وتحليل الأسواق والتسويق وخدمة العملاء واتخاذ القرار، ويختصر سنوات من النمو في أشهر عندما تُستخدم التكنولوجيا ضمن نموذج أعمال قوي.

لكن الخطر الحقيقي هو أن نمتلك أدوات المستقبل بعقلية الماضي. فلا قيمة لمنصة ذكاء اصطناعي متقدمة إذا بقي طموح الشركة محصوراً في الحصول على منحة، ولا قيمة لحاضنة ممتلئة بالمشاريع إذا كانت الشركات تخرج منها من دون طريق واضح إلى الأسواق والاستثمار.

ولهذا يحتاج الأردن اليوم إلى جيل جديد من مؤشرات النجاح: كم شركة أردنية صدّرت؟ كم شركة دخلت أسواقاً جديدة؟ كم منها ضاعفت إيراداتها؟ كم وظيفة نوعية خلقت؟ وكم استثماراً دولياً جذبت؟

عندها تتحول الجامعة إلى مولّد للشركات، والحاضنة إلى منصة للنمو، والمستثمر إلى شريك في التوسع، وتتحول ريادة الأعمال من برنامج لدعم المشاريع إلى أداة لبناء الاقتصاد، فالمرحلة المقبلة ليست مرحلة إنتاج المزيد من الأفكار، بل مرحلة صناعة الأفكار التي تستطيع أن تكبر.

وحين تكبر الفكرة بما يكفي لتخلق الوظائف، وتجذب رأس المال، وتدخل الأسواق، فإنها لا تعود مجرد مشروع ناجح.. بل تصبح نفوذاً اقتصادياً.

* الرئيس التنفيذي للجمعية الأردنية لريادة الأعمال

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك