اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. مهند النسور : الاستثمار في الكوادر الصحية

د. مهند النسور : الاستثمار في الكوادر الصحية
أخبارنا :  

تبدأ قوة أي نظام صحي من كوادره؛ فهم الذين يحوّلون السياسات والموارد والتقنيات إلى رعاية حقيقية تصل إلى الناس وتحمي صحتهم. فمهما تطورت المستشفيات والتجهيزات والأدوية، تبقى قيمتها مرهونة بوجود كوادر مؤهلة، وموزعة بعدالة، ومدعومة ببيئة عمل تمكّنها من أداء دورها بكفاءة. ومن هنا، فإن الاستثمار في الكوادر الصحية ليس خيارًا تطويريًا فحسب، بل ضرورة وطنية لبناء نظام صحي قادر على تلبية احتياجات المجتمع اليوم والاستعداد لتحديات المستقبل.

 

وفي هذا السياق، تكتسب المبادرة الوطنية لتطوير رؤية الأردن للموارد البشرية الصحية في مجال الرعاية الصحية الأولية أهمية خاصة. وقد أُطلقت المبادرة تحت رعاية سمو الأميرة منى الحسين، من قِبل المجلس الصحي العالي، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، بهدف بناء رؤية طويلة الأمد لقوى عاملة صحية مؤهلة ومدعومة وقادرة على الاستجابة للاحتياجات الصحية المتغيرة.

ويمثل إعداد رؤية وطنية تمتد من عشر إلى خمس عشرة سنة خطوة ضرورية؛ لأن بناء الكوادر الصحية يحتاج إلى سنوات من التعليم والتدريب والممارسة. وأي خلل في التخطيط اليوم قد يظهر مستقبلًا في صورة نقص في بعض الاختصاصات، أو فائض في أخرى، أو تفاوت في توزيع الكوادر بين المحافظات، أو عدم توافق بين مخرجات التعليم واحتياجات النظام الصحي.

ولا يكفي في هذا السياق التركيز على أعداد الخريجين؛ فالتحدي الحقيقي يتمثل في توفير الكادر المناسب، بالمهارات المناسبة، في المكان والوقت المناسبين. وهذا يتطلب ربط سياسات القبول والتعليم والتدريب باحتياجات القطاع الصحي، وتحديث المناهج، وتعزيز التدريب العملي والتطوير المهني المستمر، إلى جانب توفير بيئة عمل تحافظ على الكفاءات وتحفزها وتدعم استدامتها.

وتبقى الرعاية الصحية الأولية نقطة الانطلاق؛ فهي بوابة النظام الصحي، والأقرب إلى الناس، والأقدر على الوقاية والكشف المبكر ومتابعة الأمراض المزمنة. ومن النماذج التي يمكن أن تسهم في تطوير هذه الخدمات نهج فريق صحة الأسرة، الذي يجمع الطبيب والممرض والقابلة والصيدلي والأخصائي الاجتماعي وغيرهم ضمن فريق متكامل يتولى رعاية الفرد والأسرة بصورة شاملة ومستمرة، بدلًا من تقديم خدمات متفرقة تركز على المرض وحده.

وتكمن قيمة هذا النهج في جعل الأسرة محورًا للرعاية، والجمع بين الوقاية والعلاج والمتابعة والتثقيف الصحي والمشاركة المجتمعية ضمن مسار متكامل. كما يعزز وضوح الأدوار والمسؤوليات، واستمرارية الرعاية، والإشراف الداعم، والعمل الجماعي، ويساعد على اكتشاف المشكلات مبكرًا، وتقليل الإحالات غير الضرورية، وتخفيف الضغط على المستشفيات.

وينبغي أن تراعي الرؤية، ضمن منظورها الشامل، أهمية العاملين في الصحة العامة والمختبرات والمعلومات الصحية والصحة البيئية والاستعداد للطوارئ والوبائيات الميدانية والتطبيقية. فقد أثبتت الأزمات الصحية أن اكتشاف الأخطار، وتحليل البيانات، والتحقيق في الفاشيات، واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة، لا تقل أهمية عن توفير العلاج.

وقد جاء إطلاق المبادرة غداة اليوم العالمي للوبائيات الميدانية، الذي يُحتفى به في السابع من أيلول، ليذكّرنا بكوادر تعمل غالبًا بعيدًا عن الأضواء؛ فتراقب الأمراض، وتتتبع مصادر العدوى، وتحقق في الفاشيات، وتحول البيانات إلى قرارات وإجراءات تحمي الأرواح والمجتمعات.

إن نجاح المبادرة لن يُقاس بإصدار وثيقة فحسب، بل بقدرتها على التحول إلى خارطة طريق تنفيذية، تتضمن أولويات واضحة، وأهدافًا قابلة للقياس، ومؤشرات محددة، ومسؤوليات معلنة، وموارد كافية، وآليات دورية للمتابعة والتقييم. فبناء مستقبل صحي أفضل يبدأ ببناء الإنسان القادر على صناعته، والاستثمار في الكوادر الصحية هو استثمار مباشر في أمن الأردن ورفاه مجتمعه ومستقبل أجياله.


مواضيع قد تهمك