د. محمد العزة : حبر أسود... لون قلم الصحفي آرون ماغيد المفضل عندما يكتب عن الاردن .
د. محمد العزة
كما هو متوقع ، اشتداد الحملة الإعلامية هذه الأيام على الأردن من بعض الأقلام المحسوبة على تيار اليمين المتطرف في الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني، ومن جهات أخرى بحكم تبعية سياسة القطيع، بالتزامن مع ارتفاع وتيرة الحراك السياسي والدبلوماسي الأردني على محاور عدة، اقتصادية وسياسية، يقودها الملك ، في سياق نهج الاتزان والاعتدال الذي تتبعه الدولة الأردنية.
على الصعيد الاقتصادي، كانت الزيارة الملكية إلى الصين العنوان الأبرز الذي استحوذ على مساحة واسعة من الاهتمام محليا وإقليميا ودولياً، ولا سيما في الولايات المتحدة. أما على الصعيد السياسي، فتتقدم القضية الفلسطينية المشهد، حيث الموقف الأردني الرافض لمحاولات فرض وقائع جديدة على المنطقة خارج إرادة شعوبها ودولها.
فالكيان الإسرائيلي لا يريد للقضية الفلسطينية أن تبقى حاضرة على طاولة النقاشات، ولا ضمن مجال الحراك السياسي العربي والإقليمي والدولي، وآخر ذلك اجتماع عمان لوزراء دول الخارجية العربية والإسلامية ، كما لا يريد لأي من دول الجوار، أن تعبر عن موقفها أو تمارس دورها السياسي والدبلوماسي ،المطلوب، وفق هذا المنطق، على دول المنطقة انتظار قرار مصيرها، وأن يقتصر تحديد مستقبلها على ما تقرره الإدارة الأمريكية الحالية بالتنسيق مع حكومة اليمين الإسرائيلي.
ومن هنا يمكن فهم تكرار الهجمات التي يشنها الصحفي الأمريكي آرون ماغيد على الأردن، من خلال مقالات تتناول الشأن الأردني الداخلي بعناوين تثير الشكوك والأسئلة أكثر مما تقدم قراءة موضوعية للواقع، وكان آخرها مقال حمل عنواناً لافتا: «أين الملك؟»
العنوان وحده ليس بريئا من الدلالة السياسية، خصوصاً إذا وضعناه في سياقه وتوقيته.
وإذا عدنا إلى توقيت صدور كتابه "الملك الأكثر أمريكية" بالتزامن مع زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس ترامب خلال ولايته الرئاسية الثانية، وفي ذروة الحرب الإسرائيلية على غزة وتصاعد الحديث عن التهجير القسري للفلسطينيين، فإن قراءة السياق تطرح أسئلة أوسع حول الرسائل التي أراد الكاتب إيصالها إلى القارئ الأمريكي والغربي بشأن الأردن وقيادته.
الأردن اليوم أمام أربع جبهات
،ليس في مواجهة تحد واحد، و إنما يتحرك وسط بيئة إقليمية شديدة الحساسية والتعقيد، تتداخل الأربع جبهات معا : سوريا، والعراق، والكيان الإسرائيلي، والجبهة الداخلية الأردنية.
أما الجبهات الثلاث الأولى فتدار في معظمها عبر أدوات الاشتباك السياسي والدبلوماسي و الأمني، وحسابات التوازن الإقليمي والدولي ، بينما تبقى الجبهة الداخلية الأكثر حساسية، لأنها تمثل القاعدة التي يستند إليها الأمن الوطني والاستقرار السياسي.
وهنا تتحمل الطبقة السياسية الأردنية مسؤولية كبيرة في تعزيز هذه الجبهة، خصوصاً أن الأداء السياسي لدى قطاعات منها لم يرتق دائما إلى مستوى المصلحة العامة، وانعكس ذلك على المزاج العام وعلى صورة العمل السياسي لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
الأردن بحاجة اليوم إلى جبهة داخلية أكثر تماسكا ، وطبقة سياسية أكثر وعياً للمسؤولية، وخطاب وطني أكثر وضوحا ، لأن استقرار الدولة ليس قضية حكومية وحدها، بل مسؤولية وطنية مشتركة.
المشكلة ليست في السؤال الذي يطرحه آرون ماغيد، وإنما في زاوية السؤال، ومؤشراته، ودلالات توقيته.
لا أحد يطالب الصحافة الأمريكية أو الغربية بالامتناع عن تناول الشأن الأردني أو مراقبة سياساته، لكن المطلوب أن يتم ذلك وفق المعايير المهنية، وباحترام سيادة الدولة الأردنية وخصوصيتها السياسية والتاريخية.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المقال من نقد مشروع موضوعي إلى تحليل قائم على فهم مغلوط أو انتقاء للوقائع بهدف بناء سردية مقصودة عن دولة وقيادة وشعب، وعندما يجري توظيف بعضها لتقديم الأردن وكأنه دولة تابعة بالكامل للقرار الأمريكي، لا تتحرك إلا بإرادته، ولا تمتلك قرارا مستقلاً في الملفات المفصلية.
وهذه الصورة تحديدا تتناقض مع ما أظهرته الدبلوماسية الأردنية خلال السنوات الأخيرة.
فالأردن، رغم محدودية موارده وضيق إمكاناته، أظهر قدرة عالية على المناورة السياسية للحفاظ على ثوابته تجاه القضية الفلسطينية، وتمسكه برفض التهجير القسري، واستمراره في التحرك عربيا وإسلاميا ودوليا دفاعا عن الحقوق الفلسطينية، وبما ينسجم مع مصالحه الوطنية العليا.
وهذا تحديداً ما يجعل الأردن مختلفاً عن الصورة التي يريد بعض الكتاب رسمها عنه.
الأردن ليس دولة هامشية ،
هذه رسالة من الضروري أن يدركها بعض من يكتبون عن الأردن من الخارج ، تنتظر التعليمات، بل دولة تقع في قلب الجغرافيا السياسية للمنطقة.
الاردن دولة ذات موقع جيوسياسي استثنائي، تتقاطع عند حدودها ملفات فلسطين وسوريا والعراق والكيان الإسرائيلي، فضلا عن ملفات الإقليم المختلفة، وقد تحمل منذ عقود أثمانا سياسية وأمنية واقتصادية نتيجة هذا الموقع.
ولهذا فإن القرار الأردني في الملفات الخارجية الحساسة لا يصنع بالارتجال، و إنما يحتاج إلى حسابات دقيقة وقراءة عميقة للمشهد الإقليمي والدولي بكل تناقضاته ، وهذا يتطلب حركة ميكانيكية ديبلوماسية استثنائية فوق العادة .
وهنا تحديدا تظهر أهمية وجود رجال دولة، ومؤسسات قوية، وفريق حكومي سياسي واقتصادي محترف، يتحمل أعباء إدارة الشأن الداخلي، ويمنح رأس الدولة القدرة على التركيز على الملفات الخارجية .
لا نحتاج إلى رجال سلطة بصلاحيات مؤقتة وامتيازات لها تاريخ إنتاج وانتهاء، بقدر حاجتنا إلى رجال دولة يدركون أن المنصب تكليف ومسؤولية، لا امتيازا دائما.
إن إدارة دولة بموقع الأردن ليست مهمة سهلة.
فهي تحتاج إلى إتقان فن التوازن في التعامل مع الإدارة الأمريكية وتقلبات سياستها تجاه المنطقة تبعا للحزب الحاكم، وإلى التعامل مع حكومة اليمين الإسرائيلي، وخاصة التيارات الدينية والسياسية الأكثر تطرفا ، ومتابعة الانقسامات داخل الساحة الفلسطينية، والتعامل مع ضعف وتشتت الموقف العربي، فضلا عن الاضطرابات المزمنة في البيئة الإقليمية المحيطة، ولا سيما في سوريا والعراق.
وفوق ذلك كله، هناك حاجة إلى التعامل مع تيارات الإسلام السياسي ومواقفها وتحولاتها، وما أفرزته المرحلة الأخيرة من مواقف وتنازلات وتقاطعات سياسية ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في خدمة بعض مشاريع إعادة تشكيل المنطقة.
وسط كل هذه الفوضى، تتضح صفات الملك عبدالله الثاني في إدارة الحكم بمهارة سياسية عالية لدولة الحفاظ فيها على الثوابت الوطنية و اتزان الدبلوماسية و اعتدالها، وتوسيع شبكة علاقاتها الدولية، ليس ترفا سياسيا ، وإنما ضرورة لحماية المصالح الوطنية.
من يراقب الأردن عليه أن يقرأ الأردن أولا ، و من السهل أن يجلس صحفي في واشنطن أو نيويورك، ويكتب عن الأردن من خلال عدسة سياسية جاهزة، ثم يصدر أحكاما على دولة تواجه كل هذه التعقيدات.
لكن الكتابة عن الأردن تتطلب أولا فهم الأردن.
فهذا البلد لم يكن يوما خارج محيطه العربي، ولم يكن بعيداً عن القضية الفلسطينية، ولم يكن لاعبا عابرا في الملفات الإقليمية، بل كان دائما رقما حاضرا في معادلات المنطقة.
وإذا كان الأردن قد اختار تاريخيا سياسة الاتزان والاعتدال، فهذا لا يعني غياب الموقف، ولا يعني التبعية، ولا يعني أن عمان مستعدة لقبول كل ما يطلب منها.
بل إن الاعتدال الأردني كان في كثير من الأحيان وسيلة لحماية المصالح الوطنية في بيئة إقليمية لا ترحم الدول الصغيرة، وللحفاظ على هامش حركة عندما تكون الخيارات محدودة.
وهنا يأتي دور الإعلام الأردني.
ليس المطلوب شن حملة مضادة على الصحفي آرون ماغيد لمجرد اختلافه مع الأردن، وإنما المطلوب تفكيك ما يكتبه بالحقائق والوثائق والتحليل السياسي، ووضع مقالاته الأخيرة والسابقة في سياقها، ومساءلة فرضياتها، والرد عليها بلغة إعلامية مهنية وقوية.
وأخيراً السيادة أولا حيث العتب على بعض أبناء الطبقة السياسية وبعض الشخصيات العامة التي ما زالت تتعامل مع السفير الأمريكي في الأردن بحساسية مبالغ فيها، وكأنه المندوب السامي صاحب الكلمة الفصل في رسم ملامح السياسة الأردنية أو تحديد خياراتها المستقبلية.
الأردن لا يحتاج إلى افتعال خصومة مع الولايات المتحدة، ولا إلى قطع جسور التواصل معها، بل يحتاج إلى علاقة متوازنة تحفظ المصالح المشتركة، وتسمح في الوقت نفسه للأردن بأن يقول "نعم" عندما تتفق المطالب مع مصالحه، وأن يقول "لا" عندما تتعارض معها.
هناك حقائق عدة عن الدولة الأردنية تغيب عن قلم آرون ماغيد، أو يتجاهل معرفتها، أو يتجنب الحديث عنها.
الأردن دولة مؤسسات، دولة مئوية، ذات سيادة، تعرف أهمية موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي و إدارته، وأن ثوابتها الوطنية ليست ورقة تفاوض.
لذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يكتب عن الأردن من الخارج، أيا كان موقعه أو جنسيته أو مؤسسته الإعلامية، هي رسالة بسيطة وواضحة:
اكتب ما تشاء عن الأردن، وانتقد ما تشاء من سياساته، ولكن لا تظن أن الأردن بلا ذاكرة، أو بلا وعي، أو بلا قدرة على الدفاع عن روايته ومصالحه.
فهذا الوطن يستحق أن يُقرأ كما هو، لا كما يريد الآخرون أن يكون.
ويستحق أن يدافع أبناؤه عن صورته ومكانته، لا بدافع الانفعال، وإنما بدافع المعرفة والثقة بالنفس والإيمان بأن السيادة الوطنية ليست وجهة نظر.