نادية إبراهيم نوري : الأخوة… أجنحة وظل لا يميل
بقلم: نادية إبراهيم نوري
لفت نظري لوحة «يدان داعيتان» للفنان الألماني ألبرخت دورر، وثار فضولي عندما قرأت أنها أكثر لوحة استنساخًا حتى يومنا هذا، بالرغم من أنها صورة تفتقد إلى الجمال الظاهر من وجهة نظري المتواضعة؛ حيث كانت اليدان تحملان تفاصيل الشقوق والتشوّهات بدقة وبراعة متناهية.
وأنا معلوماتي الفنية محدودة، لذلك قررت أن أقرأ عن تلك اللوحة وما تخفيه من أسرار.
وعرفت أنها قصة الرسام نفسه، والبعض يقول إنها قصة أسطورية تناقلتها الأجيال. أيا كانت حقيقتها، فهي قصة ملهمة هادفة ومؤثرة، تحكي أن الفنان ألبرخت دورر وُلد لأسرة فقيرة مكوّنة من 18 أخًا وأختًا، وكان لألبرخت وأخيه الأكبر موهبة فذة في الرسم، وبالتالي كانا يحلمان أن يدرسا فن الرسم في أكاديمية نورنبرغ، لكن ظروف والدهما المادية لم تسمح بذلك.
لذلك اتفقا أن يُكمل ألبرخت تعليمه، بينما يعمل أخوه الأكبر في مناجم الفحم وينفق عليه، وبعد انتهاء تعليمه يتولى ألبرخت الإنفاق على دراسة أخيه في الأكاديمية.
وهكذا تخرّج ألبرخت من الأكاديمية بفضل مال أخيه، وصار فنانًا مشهورًا، وبيعت لوحاته بأثمان باهظة. وجاء دوره أن ينفق على تعليم أخيه، إلا أن الأخ الأكبر رفض، متعللًا بتعب يديه؛ إذ تحطمت أصابع يديه أكثر من مرة نتيجة عمله الشاق في المناجم، وأصيب بالتهاب المفاصل، وفقد قدرته على التحكم بالفرشاة والقلم، وقال له: «لقد فات الأوان!»
وما كان من ألبرخت إلا أن رسم يدي أخيه عرفانًا له بجميله وفضله في بناء مستقبله وعظيم تضحيته.
هنا تذكرت حكمة نبي الله موسى، عندما كلّفه الله بالرسالة، وكان هو كليم الله، لكنه طلب من الله أن يكون أخوه هارون عونًا له في مهمته، فلم يختر شخصًا سواه، كما جاء في القرآن الكريم:
﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾
[طه: 29-32]
هكذا الأخوة عبر التاريخ والحاضر؛ خير سند، وخير صديق، وخير داعم، وخير ناصح لنا.
فالأخ هو من قاسمك طعامك وبيتك، وماضيك وحاضرك. هو أكثر من عرفك وعرف داخلك من طول عشرته لك، وهو ثمرة والديك وشيء من روحهما.
ولا عجب عندما نسمع قصة الأعرابية التي خُيّرت بين زوجها وابنها وأخيها، فاختارت الأخ مع جملتها الشهيرة: «الزوج موجود، والابن مولود، أما الأخ فمفقود»؛ بمعنى أنك تستطيع أن تتزوج رجلًا آخر، وتستطيع أن تنجب ابنًا آخر، لكن من أين لها أن تحصل على أخ بعد فقدانها لوالديها؟
حفظ الله لكم إخوتكم، وبارك لكم فيهم.
وخير وفاء وردّ الجميل للوالدين ولذكراهما هو التواصل والمودة والرحمة بين الإخوة.
وصدق المثل القائل:
«خير إرث تتركه لأبنائك: حبهم لبعضهم، وتواصلهم مع بعضهم، وخوفهم على بعضهم.»