د. عامر سنابلة : إيران.. من إدارة التصعيد إلى إعادة تشكيل الداخل
دخلت الحرب مع إيران اليوم مرحلة مختلفة، يمكن تصنيفها بأنها مرحلة صياغة التغيير من الداخل الإيراني. فالرد الإيراني، الذي جاء غير متوازن عسكرياً وارتكز على ورقتين أساسيتين؛ تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وتوسيع دائرة الفوضى الإقليمية، بدأ يفقد تدريجياً جزءاً كبيراً من فاعليته. فقد تعاملت الولايات المتحدة مع تهديد الملاحة عبر استهداف القدرات الإيرانية على الساحل ومراكز الإمداد، بما قلّص قدرة طهران على تحويل هرمز إلى ورقة ضغط إستراتيجية مستدامة.
أما ورقة استهداف دول الخليج والأردن، فقد تركزت تدريجياً على الكويت والبحرين. إلا أن هذا التصعيد لا يمثل تحولاً حقيقياً في موازين القوى العسكرية، بقدر ما يعكس إصراراً إيرانياً على الاحتفاظ بما تبقى لديها من أدوات ضغط في مواجهة إستراتيجية "حصار الحصار" التي انتهجتها الولايات المتحدة، والقائمة على سحب زمام المبادرة من طهران وحصر قرار التصعيد ووقف العمليات العسكرية بيد واشنطن، ما قلّص بصورة كبيرة هامش المناورة الإيراني.
ومع تراجع النفوذ الإيراني في لبنان، انتقلت طهران إلى البحث عن ساحات بديلة لتعويض خسائرها. وفي هذا السياق عاد الحوثيون إلى الواجهة عبر التهديد باستهداف السعودية والملاحة في باب المندب. وتمثل هذه الورقة محاولة لتعويض التراجع في القدرة على تهديد هرمز، لأن الجمع بين باب المندب وهرمز يرفع كلفة التجارة والطاقة، ويضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة يصعب احتواؤها إذا طال أمدها.
ومن هنا يمكن قراءة التحرك السعودي، عبر جمع أكثر من أربعين دولة للبحث في صيغة دولية لحماية الملاحة وخطوط الطاقة، باعتباره بداية لمسار جديد يهدف إلى تجاوز حالة الجمود الدولي والانتقال نحو مظلة أكثر فاعلية لحماية الممرات البحرية الإستراتيجية.
أما الورقة الإيرانية الأخرى، فهي المجموعات المسلحة التي بدأت تظهر في العراق بصيغ تنظيمية غير واضحة أحياناً، بعد تراجع دور الميليشيات التقليدية. ويتركز نشاط هذه التشكيلات على استهداف دول الخليج والأردن، في محاولة لمنح إيران مساحة للإنكار السياسي وتعويض تراجع فاعلية الجبهات التي اعتمدت عليها في نشر الفوضى الإقليمية.
ورغم أن هويات هذه المجموعات وأدوارها باتت معروفة استخبارياً، فإن استمرار استخدامها سيقود إلى معادلة إقليمية جديدة تقوم على رفض نموذج "الميليشيا والدولة داخل الدولة". ومع اتساع نطاق الاستهداف، تصبح المنطقة أمام مقاربة أكثر حسماً تجاه هذه التنظيمات، حتى لو تطلب ذلك خيارات عسكرية مباشرة.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة ماضية في إستراتيجية تصعيد مدروسة، تنتقل خلالها إلى مستويات أعمق من الضغط، مع الحفاظ على استقرار الأسواق ومنع انفلات أسعار الطاقة أو الانزلاق إلى حرب شاملة. إلا أن الهدف الأبعد لا يقتصر على استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية، بل يتجه نحو إعادة تشكيل موازين القوة داخل إيران نفسها، عبر استهداف منشآت الطاقة، والبنية المرتبطة بالمشروع النووي، ومراكز النفوذ، أو شخصيات أساسية في منظومة القرار الإيراني.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم استهداف دمياط في مصر باعتباره رسالة تؤكد أن الضغط على البنية المرتبطة بالطاقة لم يعد محصوراً في الخليج، بل امتد إلى شرق المتوسط، بما يعكس محاولة لتوسيع دائرة الضغط على أسواق الطاقة العالمية ورفع الكلفة السياسية والاقتصادية للحرب.
ورغم تصاعد الخطاب الإيراني، فإن هامش الفعل الميداني يتراجع تدريجياً، ما يدفع طهران إلى الاعتماد بصورة أكبر على الوكلاء. لكن استهداف القدرات الإيرانية وإضعاف مراكز النفوذ في الداخل يعني في الوقت نفسه تقليص دور هؤلاء الوكلاء، باعتبارهم جزءاً من منظومة النفوذ التي يجري تفكيكها.
ولهذا تدخل المنطقة مرحلة تصعيدية مختلفة. فلم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت إيران قادرة على رفع كلفة الحرب، بل إلى أي مدى تستطيع منع انتقال المواجهة من استنزاف أدواتها الخارجية إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية داخلها. فكلما تقلصت أدوات النفوذ الإيرانية، أصبحت معركة النظام الأساسية هي الحفاظ على تماسك الداخل، ما يجعل المرحلة الحالية بداية لإعادة رسم موازين القوة في إيران والمنطقة معاً.
ــ الغد