حسام عايش : أسبوع عمل أقصر.. بإنتاجية أعلى
البابليون هم أول من حدد أيام الأسبوع، لتأخذ به شعوب العالم لاحقًا، وإن اختلفت في تحديد بدايته بين الأحد، السبت، أو الجمعة، أو في تسمية أيامه، ففي العربية والعبرية والفارسية، اشتُقت أسماء الأيام من الأرقام، وفي لغات أخرى اشتقت من أسماء الآلهة والأجرام السماوية وغيرها.
عندها، لم يكن مفهوم العطلة متداولًا، ولم يُعرف إلا خلال الثورة الصناعية؛ وحيث كان أسبوع العمل يمتد لنحو 100 ساعة، ما دفع المصلح الاجتماعي روبرت أوين إلى رفع شعاره الشهير ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات ترفيه، وثماني ساعات راحة، ليظهر لاحقًا مصطلح عطلة نهاية الأسبوع عام 1879 وفقًا لقاموس أكسفورد.
كرس هنري فورد، مفهوم العطلة الأسبوعية حين أغلق مصانع شركته يومي السبت والأحد عام 1926، لتتحول الفكرة لاحقًا إلى جزء من قوانين العمل الأميركية عام 1940، مع تحديد أربعين ساعة عمل أسبوعيًا كحد أقصى.
اليوم يجد كثيرون، ومع التحولات التكنولوجية الرقمية الذكية، أن نظام عمل 8 ساعات يوميًا- 40 ساعة عمل أسبوعيًا- لم يعد صالحًا، لأنه صمم من أجل المصانع أثناء الثورة الصناعية، وأن عصر الذكاء الاصطناعي، يستدعي إعادة تعريف مفهوم العمل والإنتاجية بشكل جديد ومختلف، بما في ذلك مراجعة عدد أيام العمل الأسبوعية لتكون أقصر.
هذه الأفكار تستند إلى جانب الثورة الرقمية الذكية، إلى دراسات أخرى أظهرت انخفاض إنتاجية الموظفين مع طول ساعات العمل، منها دراسة بريطانية بينت أن متوسط الإنتاجية الفعلية للموظف خلال يوم العمل لا يتجاوز 3.5 ساعة وأقل، فيما يضيع باقي الوقت بين مطالعة المواقع الإخبارية على الإنترنت (ساعة وخمس دقائق)، تصفح مواقع التواصل الاجتماعي (44 دقيقة)، مناقشة أمور غير متعلقة بالعمل مع الزملاء (40 دقيقة)، البحث عن وظيفة جديدة (26 دقيقة)، أخذ استراحة للتدخين (23 دقيقة)، إجراء اتصالات هاتفية بالعائلة أو الأصدقاء (18 دقيقة)، إعداد مشروبات ساخنة (17 دقيقة)، تبادل الرسائل عبر الهاتف/المراسلة الفورية (14 دقيقة)، تناول وجبات خفيفة (8 دقائق)، تحضير الطعام في المكتب (7 دقائق).
يسند ذلك أيضًا، نتائج أبحاث واستطلاعات ميدانية كاستطلاع سابق لمؤسسة غالوب شمل 180 مليون موظف في 142 دولة، والذي أظهر وجود 13% فقط منهم لديه ارتباط بعمله، أي أن واحدًا من بين ثمانية فقط يشعر بالارتباط بعمله والرغبة في المساهمة الإيجابية في نمو المؤسسة التي يعمل لديها، وأن 10% فقط من الموظفين والعاملين في المنطقة العربية راضون عن وظائفهم، مقابل 55% غير مرتبطين بالوظيفة التي يعملون فيها، و35% غير مرتبطين إطلاقًا بوظائفهم بشكل عام.
أيضًا، فإن الداعين لعطلة الثلاثة أيام، يرون أن هذا الإجراء له نتائج إيجابية على مستوى الأفراد والمؤسسات والاقتصاد، من حيث رفع الإنتاجية، وتحسين الرضا الوظيفي، وخفض معدلات الغياب والإجازات المرضية، وإعادة توزيع فرص العمل، وتحقيق قدر أكبر من المساواة بين الجنسين، إضافة للأثر البيئي الإيجابي نتيجة انخفاض استهلاك الطاقة، وتراجع الازدحامات المرورية وانبعاثات الغازات الدفيئة، الأمر الذي ينعكس على تقليل التكاليف التشغيلية في القطاعين العام والخاص.
دول عديدة –آيسلندا، اسكتلندا، إيرلندا– خاضت تجارب ناجحة لأسبوع عمل أربعة أيام، فيما تختبره دول أخرى وتدرس تطبيقه حكومات عدة، إضافة إلى شركات عالمية حققت نتائج أفضل على مستوى ارتفاع الإنتاجية والإيرادات، وانخفاض كلف التشغيل والطاقة، حتى إن دراسات تعليمية تشير إلى تحسن مستوى الطلبة في المدارس التي انتقلت إلى أربعة أيام دراسة أسبوعيًا مقارنة بغيرها.
في السياق، يدور اليوم نقاش وطني حول عطلة ثلاثة أيام أسبوعيًا، انسجامًا مع التوسع في استخدام الأتمتة والذكاء الاصطناعي والرقمنة، كأدوات لتقديم الخدمات وإنجاز الأعمال، وباعتبار أن هذا التوجه يمكنه أن يسهم في خفض المصاريف الحكومية التشغيلية بين 10% و20%، ودفع قطاع الرقمنة للنمو بين 3% و5%، وزيادة الإنفاق السياحي المحلي بين 5% و7%.
لكن، ورغم عائد تحقيق هذه النتائج، فإن من الأهمية الانتباه إلى انخفاض مستوى الإنتاجية لدينا وفي جميع القطاعات تقريبًا، ما يعني أن أي تغيير غير محسوب أو مدروس أو تدريجي لتقليص أيام العمل الأسبوعية، ربما لا يحقق أهداف رفع النمو، وزيادة مستوى المنافسة، وتحسين جودة الحياة، ما يحول فكرة تستحق أن تختبر، من فرصة إصلاح إلى كلفة اقتصادية.
ــ الدستور