علي ابو حبلة : الملك عبدالله الثاني: القيادة في زمن التحولات الإقليمية والمسؤولية التاريخية
في مرحلة إقليمية دقيقة تتسم بتسارع التحولات، وتشابك الأزمات، وإعادة رسم موازين القوى، تبرز القيادة بوصفها عامل استقرار لا غنى عنه، ومسؤولية تاريخية تتجاوز إدارة اللحظة إلى استشراف المستقبل. وفي هذا السياق، يبرز جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين كقائد يمتلك قدرة استثنائية على الجمع بين الواقعية السياسية، والالتزام القانوني، والرؤية الاستراتيجية، في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتعقيدًا.
تصدّر جلالته، وللعام الثاني على التوالي، استطلاعًا دوليًا لاختياره قائد عربي متميز لعام 2025، لم يكن تعبيرًا عن حضور إعلامي عابر، بل مؤشرًا على تقدير دولي متنامٍ لدور قائد حافظ على ثبات الموقف، ووضوح الرؤية، واستمرارية الأداء، في بيئة إقليمية ودوليه تتطلب أعلى درجات الاتزان والحكمة.
ما يميّز نهج الملك عبدالله الثاني أنه يقوم على دبلوماسية صريحة ومسؤولة، لا تنزلق إلى التصعيد، ولا تكتفي بالمجاملات. يخاطب المجتمع الدولي بلغة المصالح المشتركة، ويستند إلى القانون الدولي كمرجعية، ويطرح رؤية متوازنة تربط بين إنهاء الصراعات وتحقيق الاستقرار المستدام. هذا النهج أكسب الأردن مصداقية عالية في دوائر صنع القرار، وجعل صوت عمّان مسموعًا في القضايا الإقليمية والدولية الكبرى.
وقد أثبتت التجربة أن تحذيرات الملك المتكررة من مخاطر استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتآكل حل الدولتين، وتجاهل قرارات الشرعية الدولية، لم تكن قراءات نظرية، بل تنبؤات استراتيجية تحولت إلى وقائع تهدد الأمن والسلم الإقليميين.
حافظ الأردن، في ظل قيادة الملك عبدالله الثاني، على تماسك الدولة واستقرارها، رغم الضغوط الاقتصادية، والتحديات الأمنية، وأعباء اللجوء، في محيط شهد انهيارات كبرى. هذا الاستقرار لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل شرطًا أساسيًا للقيام بدور إقليمي فاعل، ولمنع تصدير الأزمات، ولحماية الأمن الوطني والقومي العربي.
الدبلوماسية الأردنية النشطة، التي تجمع بين الحضور السياسي، والحراك الدولي، وبناء الشراكات، أسهمت في ترسيخ صورة الأردن كدولة توازن، ووسيط موثوق، وصوت عقلانية في أوقات الاستقطاب الحاد.
على صعيد القضية الفلسطينية، يبرز موقف الملك عبدالله الثاني بوصفه موقفًا ثابتًا ومبدئيًا، يقوم على حقيقة راسخة مفادها أن فلسطين والأردن توأمان في الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك . لم يتعامل الأردن مع فلسطين كملف سياسي عابر، بل كقضية مركزية ذات أبعاد قانونية وإنسانية وأمنية.
وأكد جلالته باستمرار أن غزة والضفة الغربية والقدس وحدة جغرافية وقانونية واحدة غير قابلة للتجزئة، ورفض أي حلول تنتقص من الحقوق الفلسطينية أو تفتح الباب أمام التهجير القسري. كما واصل الدفاع عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، بوصفها مسؤولية تاريخية وقانونية، وسدًا منيعًا أمام محاولات التهويد وتغيير الوضع القائم.
لم يكن الموقف الأردني معزولًا عن الإطار العربي، بل جاء منسجمًا مع أدوار محورية قامت بها مصر والسعودية ودول عربية أخرى، في رفض مشاريع التهجير القسري، والتأكيد على حق الفلسطينيين في أرضهم، وضرورة وقف العدوان، وفتح المسارات السياسية والإنسانية. هذا التناغم العربي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التهجير لا يهدد فلسطين وحدها، بل يطال الأمن القومي العربي برمته.
إلى جانب البعد السياسي والقانوني، يكتسب التكامل الاقتصادي الأردني–الفلسطيني أهمية استراتيجية متزايدة، في ظل استخدام الاحتلال للاقتصاد كأداة خنق وضغط، عبر التحكم بأموال المقاصة، والمعابر، وسلاسل التوريد. ومن هنا، يبرز الأردن كعمق اقتصادي لفلسطين، وشريك طبيعي في بناء صمود اقتصادي يقلل من التبعية القسرية للاحتلال.
ويشمل ذلك توسيع قنوات الاستيراد والتصدير عبر الأردن، وتطوير البنية اللوجستية، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع عبر معبر الكرامة، بما يعزز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود، ويدعم الاستقرار الاجتماعي، ويشكّل رافعة للتنمية المشتركة.
وانطلاقا من هذا الدور التاريخي والمكانة الدولية الرفيعة، يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني تعزيز الجهد السياسي والقانوني والدبلوماسي في حماية القدس والضفة الغربية من التهويد والضم الزاحف. وإلزام دولة الاحتلال بقرارات الأمم المتحدة وتفعيل قرارات وآراء محكمة العدل الدولية والاصرار والتأكيد على وحدة الجغرافيا الفلسطينية بين غزة والضفة والقدس دون تجزئة. وتسريع تفعيل المسار السياسي الجاد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
دعم صمود الفلسطينيين اقتصاديًا عبر الإفراج عن أموال المقاصة، وتقديم التسهيلات عبر معبر الكرامة، وتوسيع الاستيراد والتصدير عبر الأردن.، وإفشال مخططات الضم، والتهجير القسري، والتوسع الاستيطاني التي تهدد مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
وعليه و في زمن تتعاظم فيه التحديات، تبرز قيادة الملك عبدالله الثاني كنموذج للمسؤولية السياسية، والالتزام القانوني، والرؤية الاستراتيجية. قيادة تؤمن بأن دعم فلسطين ليس موقفًا عاطفيًا، بل التزام سياسي وقانوني واقتصادي، وبأن استقرار الأردن وفلسطين، وبدعم عربي فاعل، يشكل حجر الزاوية في حماية المنطقة من الفوضى، ومنع التهجير القسري، وصون ما تبقى من فرص السلام العادل والشامل لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار الذي لن يتحقق إلا بالإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وفق قرارات الشرعية الدولية انسجاما وتوافقا مع الرؤية الحكيمة والرأي السديد لموقف جلالة الملك عبد الله الثاني .