الليرة السورية تخسر 7.4 % من قيمتها أمام الدولار… ونائب لـ”القدس العربي”: لا حل سحرياً
مع تراجع قيمة الليرة السورية وتجاوزها الأحد، لعتبة 140 ليرة جديدة أمام الدولار، دعت مصادر نيابية واختصاصيون ورجال أعمال إلى ضرورة العمل سريعاً لتحسين قيمة العملة المحلية، عبر "حزمة إنقاذ” تقوم على استعادة الثقة ورفع الإنتاج، والسير قدماً بإصلاح القطاع المصرفي والمالي وجعله متوافقاً مع المعايير الدولية، مثمنين خطوات اتخذها مصرف سوريا المركزي أخيراً، ومؤكدين أن المشكلة، في جانب مهم منها، عالمية، وترتبط بالحرب الطاحنة المشتعلة في منطقة الخليج.
وتراجعت قيمة الليرة السورية أمام الدولار لتتجاوز 140 ليرة جديدة (14 ألف ليرة قديمة) الأحد، بعد أن استقر لأشهر عند 130 ليرة، وأعاد البعض السبب إلى رفع سعر المشتقات النفطية قبل شهر بنسب وصلت إلى 40% للمازوت، و25% للبنزين، ما أدى إلى موجة غلاء طالت جميع المواد الاستهلاكية.
755 مخالفة
وتدخل "المركزي” للحد من عمليات المضاربة على الليرة، وأعلن السبت، عبر حساب حاكمه صفوت رسلان على "فيسبوك”، عن قيام فريق مشترك من "المركزي” ووزارة الداخلية خلال الأسبوعين الماضيين بتسطير 755 مخالفة في أنشطة الصرافة والحوالات المالية غير المرخصة في عشر محافظات في خطوة أولى في مسار تنظيم هذا القطاع وضمان عمله وفق القانون.
وشدد رسلان على مواصلة العمل بحزم وعدم التساهل مع أي تجاوزات أو ممارسات مخالفة بما ينسجم مع جهود بناء قطاع مصرفي ومالي منظم وشفاف يحمي حقوق المتعاملين ويعزز الثقة.
أثنى الباحث والمستشار أيمن عبد النور على إجراءات المركزي التي تضمنت الإعلان عن شركات الحوالة والصرافة المرخصة
وأثنى الباحث والمستشار أيمن عبد النور على إجراءات المركزي التي تضمنت أيضاً الإعلان عن شركات الحوالة والصرافة المرخصة، وقال لـ”القدس العربي” إن هذه الإجراءات تدفع للحد من تدهور قيمة الليرة، وخصوصاً منها ما يتعلق بتنظيم عمل شركات الصرافة وتحويل الأموال ونشر قائمة ضمت 50 شركة مرخصة منها، ما يعني أن كل شركة خارج القائمة هي مخالفة وغير مرخصة وسيتم اتخاذ إجراءات قانونية ضدها، ولا يمكن محاسبة دمشق بناء على أعمال تقوم بها هذه الشركات التي سيتم إيقاف عملها.
وتابع أن واشنطن قدمت إلى دمشق أخيراً لائحة بإصلاحات مصرفية وقانونية مطلوبة، لا بد من تطبيقها لفتح الباب أمام عمل المصارف الأمريكية داخل سوريا، مؤكداً أن ما يتم الإعلان عنه من قبل "المركزي” من إجراءات وسياسات، هي محاولة لتحقيق التوافق التام بين بيئة عمل المصارف السورية والبيئة الدولية، وعلى الشركات المحلية أن تسوي أوضاعها وفق الضوابط الجديدة، وقد تمنح مهلة محددة لتسوية أوضاعها والحصول على التراخيص المطلوبة، وإلا سيتم اتخاذ قرار بحق كل من لا يلتزم.
وأعاد عبد النور تدهور قيمة الليرة أمام الدولار إلى ارتفاع أسعار النفط والمشتقات النفطية على المستوى العالمي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الفاتورة المطلوب من الحكومة تأمينها بالعملة الصعبة، ما شكل ضغطاً على احتياطات النقد الأجنبي عند الحكومة والتي كان يمكن توجيهها إلى قطاعات استثمارية أخرى، موضحاً أن رفع أسعار المحروقات أدى إلى قيام محطات الوقود بجمع كميات أكبر من الليرة السورية، ما أدى بدوره إلى تراجع حجم السيولة بالعملة المحلية في السوق الداخلية، وربما ساهم ذلك بالحد من تدهور الليرة.
العامل الخارجي
رجل الأعمال السوري وسليل أهم العائلات الدمشقية غسان بدر الدين الشلاح دعا إلى عدم إغفال العامل الخارجي في تدهور قيمة الليرة، وقال لـ”القدس العربي” إن رفع أسعار المشتقات النفطية محلياً، تبعه مباشرة رفع جميع أسعار المواد الاستهلاكية، ولكن يجب ألا ننسى تأثير العالم الخارجي في تحسن قيمة الدولار مع ارتفاع الطلب العالمي بسبب الأوضاع غير الطبيعية في عموم المنطقة على خلفية التوتر، سواء في منطقة دول الخليج كافة، أو ما بات يتعلق اليوم بالحرب في اليمن وتعرض السعودية، صاحبة الاقتصاد الأكبر عربياً، للقصف وسقوط الضحايا، محذراً من تدهور إضافي وخطير، إذا لم يتم تدارك هذا التصعيد واحتواؤه، ومؤكداً أن قيمة الدولار أمام العملات المحلية في معظم دول المنطقة، قد ارتفع، والأمر ليس حكراً على الليرة السورية.
واعتبر أن أسباب تراجع الليرة يرتبط حالياً بالعامل الخارجي أكثر من الداخلي وتعثر الاقتصاد السوري، لكن تراجع قيمة الليرة مهما كانت الأسباب، يترك أثره على الحياة المعيشية للمواطن باعتبار أن العمال والموظفين يتقاضون أجورهم بالعملة المحلية، ورواتبهم ثابتة، بينما يتواصل تدهور قيمتها، ما يزيد من سوء الأوضاع.
اعتبر الشلاح أن أسباب تراجع الليرة يرتبط حالياً بالعامل الخارجي أكثر من الداخلي وتعثر الاقتصاد السوري
وبين أن إطلاق العملة السورية الجديدة، مع بداية العام، ساهم في الحفاظ على قيمة الليرة، وإنهاء المضاربات عليها من خارج حدود البلاد، وأكد أن إحلال الليرة الجديدة بدل القديمة حدّ من انهيار العملة السورية، لأنه لو لم تتم عملية الاستبدال لكانت الليرة قد تدهورت بشكل كبير جداً، وقيام "المركزي” بهذه الخطوة الذكية والمشكورة أدى إلى الحدّ من تدهور الليرة.
وقال إن مليارات من الليرات السورية في أسواق الدول المجاورة كانت تشكل على الدوام الخطر الأكبر على استقرار سعر الصرف، واستبدال العملة أدى في النهاية إلى إسقاط هذه الورقة من يد المضاربين، مشيراً إلى أن "المركزي” ما زال إلى اليوم يلجأ إلى تخفيض وتجفيف السيولة بالليرة داخل السوق كأداة للسيطرة على سعر الصرف.
المشتقات عامل مسرع
في السياق، اعتبر رئيس لجنة القوانين المالية في مجلس الشعب، مصطفى عكوش، أن تدهور قيمة العملة المحلية أمام الدولار مرده أكثر من سبب وليس فقط رفع أسعار المشتقات النفطية في سوريا، وقال في تصريح لـ”القدس العربي” إن الأخير ليس هو السبب الجذري، بل هو العامل المُسرّع والظاهر.
وذكر بأن خسارة 7,4% من قيمة الليرة في شهر هو نتيجة مركبة عن صدمة التكلفة أولاً، حيث أدى رفع سعر المشتقات إلى رفع كلفة النقل والإنتاج والزراعة مباشرة بنسبة 30-40%، ما خلق موجة تضخم، وزاد الطلب الوقائي على الدولار من قبل التجار لتمويل استيرادهم بالأسعار الجديدة.
وتابع: "السبب الأعمق لتراجع قيمة الليرة كان في هيكل الميزان التجاري المختل، فسوريا بلد مستورد للنفط ومشتقاته، وخاصة حالياً بعد المباشرة بإجراء صيانة لمصفاة بانياس، وعندما ترتفع أسعار النفط عالمياً ومحلياً، فسترتفع فاتورة الاستيراد بالدولار، ويزداد الضغط على الليرة”.
واعتبر أن السبب الثالث يكمن في عامل التوقعات، فعندما يرى المواطن والتاجر أن الأسعار سترتفع، يلجؤون لتحويل مدخراتهم إلى دولار أو ذهب لحفظ القيمة، وهذا بحد ذاته ما يضعف الليرة، وبالتالي فإن رفع سعر المشتقات البترولية محلياً هي القشة التي قصمت ظهر الثقة، لكن الجذور هي في عجز الموازنة وتراجع الإنتاج وضعف تدفق القطع الأجنبي.
وعن الدور الذي لعبه استبدال العملة السورية للحد من تدهور قيمتها، أوضح عكوش أنها كانت إجراء فنياً وتنظيمياً ضرورياً، لكنه ليس علاجاً نقدياً بحد ذاته، وقد تم التعويل عليه لثلاثة أسباب هي سحب العملة المهترئة والمزورة، ثم إعادة الأموال المكتنزة للمصارف، وأخيراً قطع الطريق على المضاربين في الخارج، وقد حقق جزءاً من هذا في الأسابيع الأولى، حين استقر سعر الصرف عند 118 ليرة للدولار، بداية العام.
وأوضح أن استبدال العملة لا يخلق احتياطياً من الدولار، وقيمة العملة لا تحددها جودة الورق، بل ما يقابلها من إنتاج واحتياطي من الذهب والعملة الصعبة، وبالتالي فإنه من دون زيادة الاحتياطي في مصرف سوريا المركزي، يبقى الاستقرار مؤقتاً.
وتابع: "إن السوق السوداء تكيفت بسرعة، وتم تهريب العملة الجديدة أيضاً وبدأت المضاربة عليها في دول الجوار بنفس الآلية، لأن الفجوة بين السعر الرسمي والطلب الحقيقي على الاستيراد بقيت موجودة”، مشيراً إلى أن السبب الثالث كان في أن السياسة المالية لم تواكب السياسة النقدية، حيث تم استبدل العملة لكنه في نفس الوقت، رفعنا الإنفاق المدعوم عبر المشتقات، دون تأمين إيرادات حقيقية، فاضطر "المركزي” لتمويل العجز، عبر طباعة غير مباشرة، ضغطت على سعر الصرف.
دور أساسي
وأكد أنه يمكن لمجلس الشعب أن يلعب دوراً فيما يتعلق وتحسين قيمة الليرة والاقتصاد السوري عموماً، وقال إنه يجب أن يكون أساسياً وليس هامشياً، من خلال أدوات يملكها حصرياً تتمثل في دوره التشريعي، حيث تعمل لجنة القوانين المالية حالياً على قانون لتشجيع الاستثمار يسمح بعودة رؤوس الأموال السورية المهاجرة عبر ضمانات قانونية.
وشدد على الدور الرقابي للمجلس على الموازنة، وقال إنه لا يمكن وقف تدهور الليرة دون وقف تمويل العجز بالاقتراض من المركزي، ومجلس الشعب هو من يقر الموازنة، ويجب أن يضغط باتجاه ترشيد الدعم وتوجيهه لمستحقيه بدل الدعم الشامل المكلف، وإيقاف الإنفاق غير المنتج، مؤكداً على ضرورة أن يُلزم المجلس الحكومة بإنهاء تعدد أسعار الصرف، فاليوم هناك سعر رسمي وآخر للحوالات وثالث للسوق السوداء، وهذه بيئة مثالية للفساد والمضاربة، أما السعر الواحد الواقعي الشفاف فهو ما يعيد الثقة.
وخلص عكوش للتأكيد، وهو خبير في الشؤون المصرفية، بأنه لا يوجد حل سحري لوقف مسلسل تدهور قيمة الليرة ومنعكساتها السلبية على المواطنين، مطالباً باتخاذ ما أسماها بـ”حزمة إنقاذ من عدة خطوات” تتمثل في حماية المواطن قبل أي إصلاح، إذ يجب رفع الأجور والرواتب بشكل مدروس وربطها بسلة غذائية، وإطلاق بطاقة دعم نقدي مباشر للعائلات الأكثر تضرراً بدل دعم السلعة، حتى لا يلتهم التضخم راتبه.
تشديد الرقابة
وطالب بوقف نزيف الدولار عبر تشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريبه، وإلزام شركات الصرافة ومكاتب الحوالات بالعمل عبر القنوات الرسمية، وتوجيه كل حوالات المغتربين، وهي شريان الحياة اليوم، عبر المصارف الرسمية بعمولة تشجيعية وسعر منافس.
عكوش طالب بوقف نزيف الدولار عبر تشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريبه
وبين أن "حزمة الإنقاذ” تتضمن التحفيز على الإنتاج والتصدير، فكل دولار نصدر به منتجاً زراعياً أو صناعياً هو أقوى من أي قرار إداري، ويجب منح إعفاء ضريبي كامل لمدة 3 سنوات لأي مشروع تصديري، مع دعم للمدخلات الزراعة، مشدداً على ضرورة استعادة الثقة بالمصارف لأن الناس اليوم تفضل "الدولار تحت البلاطة” بدل الليرة في البنك، ولن تعود الثقة إلا إذا ضمنا حرية السحب والتحويل، ورفعنا سعر الفائدة على الودائع بالليرة، لتكون أعلى من نسبة التضخم.
وشدد على مبدأ الشفافية، وقال إنه على مصرف سوريا المركزي أن ينشر يومياً حجم احتياطيه وتدخلاته في السوق لأن الغموض هو غذاء السوق السوداء، مؤكداً أن الليرة لا تسقط بسبب ورقة، إنما عندما يسقط الإنتاج وتسقط الثقة، وإذا ما أعدنا الإثنين، ستعود الليرة لتستقر.
ــ القدس