مخــزون غذائــي يُحصّن المملكة بمواجهة الأزمات
عمان- رندا حتامله ، إسلام العمري
في لحظة إقليمية ودولية تتسم بقدر عالٍ من السيولة الجيوسياسية واضطراب سلاسل التزويد، يبرز ملف الأمن الغذائي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية واتصالاً بالاستقرار الداخلي للدول.
وفي قلب هذه المعادلة، يقدّم الأردن بتوجيهات من جلالة الملك عبد الله الثاني نموذجاً قائماً على التخطيط الاستباقي وتراكم الخبرات، مكّنه من تثبيت معادلة التوازن بين العرض والطلب، حتى في ذروة الأزمات العالمية.
ضمن هذا السياق، يكشف مدير عام الشركة العامة الأردنية للصوامع والتموين، المهندس عماد الطراونة، لـ«الدستور» أن المملكة لم تدخل الأزمات الأخيرة بردود فعل طارئة، بل بمنظومة متكاملة لإدارة المخزون، عززت قدرتها على امتصاص الصدمات وضمان استمرارية تدفق السلع الأساسية دون انقطاع.
ويضع الطراونة الأرقام في صلب هذه الرواية، موضحاً أن السعة التخزينية الإجمالية للحبوب في المملكة تبلغ حالياً نحو مليوني طن، تتوزع بين 750 ألف طن ضمن صوامع الشركة، ومليون طن في المستوعبات الأرضية التابعة لوزارة الصناعة والتجارة، ما يعكس حجم الاستثمار الذي وُجّه خلال السنوات الماضية لتطوير البنية التحتية التخزينية. غير أن هذه الأرقام، وفق الطراونة، ليست سوى محطة ضمن مسار توسعي أكبر، إذ يجري العمل على مشاريع سترفع السعة التخزينية بنحو 1.2 مليون طن إضافية، لتقترب القدرة الإجمالية من 2.2 مليون طن، وهو ما يشكّل مظلة أمان إضافية في مواجهة أي سيناريوهات معقدة قد تفرضها الأسواق العالمية.
وعلى مستوى المخزون الفعلي، تبدو المؤشرات أكثر طمأنة، إذ يغطي مخزون القمح الحالي احتياجات المملكة لمدة تصل إلى عشرة أشهر، فيما يكفي مخزون الشعير لنحو ثمانية أشهر، مع توقعات بارتفاعه إلى تسعة أشهر فور استكمال تفريغ شحنات جديدة في ميناء العقبة. وفي بيئة دولية ترتفع فيها كلف الشحن والتأمين، يكتسب هذا المخزون بعداً استراتيجياً يتجاوز الأرقام، ليصبح أداة استقرار اقتصادي واجتماعي في آن واحد.
ولا يتوقف عامل الأمان عند حدود الكميات المخزنة، بل يمتد إلى منظومة التعاقدات المسبقة التي تؤمّن تدفق الإمدادات بشكل مستمر، حيث توفر عقود وزارة الصناعة والتجارة الحالية غطاءً زمنياً إضافياً يقلل من أثر أي اضطرابات مفاجئة في الأسواق العالمية، ويمنح صانع القرار مساحة أوسع للمناورة.
وفي قراءة لمسار الأزمات الأخيرة، يشير الطراونة إلى أن الأردن، رغم تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والتوترات في غزة والحرب الإيرانية، لم يسجل أي انقطاع فعلي في سلاسل التوريد، بل اقتصر التأثير على تأخر بعض الشحنات وارتفاع كلفها، وهي تحديات جرى احتواؤها دون أن تنعكس على توفر السلع الأساسية في السوق المحلية.
هذا الأداء، بحسب الطراونة، لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج سياسة طويلة الأمد في إدارة المخزون، استندت إلى خبرة تراكمية في التعامل مع أزمات متلاحقة، من بينها موجات اللجوء التي رفعت معدلات النمو السكاني في بعض السنوات إلى أكثر من 10%، مقارنة بالمعدلات الطبيعية التي تتراوح بين 0.5% و1%، ما فرض ضرورة تطوير قدرات التخزين ورفع مستويات الاحتياطي بما يتناسب مع الطلب المتزايد.
ويستحضر الطراونة تجربة جائحة كورونا بوصفها نقطة تحول مفصلية، حين نجح الأردن في رفع مخزونه الاستراتيجي من الحبوب إلى أكثر من 18 شهراً، وهو مستوى غير مسبوق عزز ثقة السوق المحلية وأعاد تعريف مفهوم الجاهزية للأزمات. تلك التجربة تحولت لاحقاً إلى مرجعية عملية بُنيت عليها الخطط الحالية، والتي ترتكز على تنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع السعات التخزينية، وتعزيز المرونة التشغيلية.
وعلى الأرض، تعمل منظومة الصوامع بكفاءة تشغيلية عالية وعلى مدار الساعة، ضمن شبكة لوجستية متكاملة تبدأ من ميناء العقبة وتمتد إلى مواقع التخزين في عمّان وإربد والرصيفة. هذه المنظومة لا تقتصر على التخزين فحسب، بل تشمل عمليات تفريغ البواخر، وشحن الحبوب، وتزويد المطاحن بالكميات المطلوبة، إضافة إلى تقديم خدمات مساندة للقطاع الخاص، من بينها تأجير المستودعات.
وقال الطراونة، اتخذت الحكومة اجراءات تحفيزية لدعم القطاع حيث تم اعتماد أسعار الشِّراء للقمح والشَّعير من صنف (بذار) بواقع 520 ديناراً لكل طن من القمح، و440 ديناراً لكل طن شعير. أمَّا صنف (مواني) فقد تمَّ اعتماد سعر الشِّراء له بواقع 420 ديناراً لكل طن قمح و370 ديناراً لكل طن شعير، اضافة إلى تخفيض كلف التخزين بنسبة 40% ، مع إبقاء القرار خاضعاً للمراجعة وفق تطورات المشهد الاقتصادي.
ورغم التحولات التي شهدها الاقتصاد الوطني، خاصة الانتقال من الاقتصاد الرعوي إلى الاقتصاد الحر، يؤكد الطراونة أن دعم مادتي القمح والشعير بقي خياراً استراتيجياً ثابتاً، يشمل جميع المقيمين على أرض المملكة دون استثناء، في تأكيد واضح على أن الأمن الغذائي لا يخضع لمعادلات السوق فقط، بل يرتبط باعتبارات الاستقرار الاجتماعي.
ويختزل الطراونة معادلة النجاح بمؤشر بسيط لكنه بالغ الدلالة توفر مادة الخبز في السوق المحلية بشكل دائم، وبجودة وأنواع تضاهي، بل وتتجاوز، كثيراً من دول العالم. فاستقرار هذا المؤشر، وفق رؤيته، يعكس نجاح السياسات والإجراءات المتبعة، ويؤكد أن منظومة الأمن الغذائي تعمل بكفاءة عالية رغم كل التحديات المحيطة.
وفي التفاصيل التشغيلية الدقيقة، يوضح الطراونة أن المستوعبات الأرضية تضم بنية متقدمة تشمل برادات وثلاجات وهناجر تتجاوز سعتها 15 ألف طن، فيما يعمل نحو 480 موظفاً إلى جانب أكثر من ألف عامل مساند على مدار الساعة لمتابعة المخزون وضمان سلامته. وتخضع الحبوب لسلسلة رقابية متعددة المراحل تبدأ من بلد المنشأ، عبر لجان مشتركة تضم المؤسسة العامة للغذاء والدواء ووزارتي الزراعة والصناعة، حيث يتم فحص الحبوب قبل تحميلها بالتعاون مع شركات معاينة عالمية معتمدة. وتستمر الرقابة بعد وصول الشحنات، إذ تُخزن الحبوب ضمن شروط دقيقة، أبرزها الحفاظ على مستوى رطوبة لا يتجاوز 13%، مع قياس درجات الحرارة يومياً وتهوية المخزون عبر تدويره، إضافة إلى إجراء فحوصات دورية لعينات منه.
ولا تقف حدود هذه التجربة عند الداخل الأردني، إذ يشير الطراونة إلى أن عدداً من الدول العربية، من بينها العراق ومصر، استفادت من الخبرة الأردنية في إدارة مخزون الحبوب، ما يعكس نضج النموذج الوطني وقابليته للتطبيق إقليمياً.
وفي خلاصة المشهد، تبدو رسالة الطراونة واضحة الأردن لا يدير ملف الأمن الغذائي بمنطق رد الفعل، بل وفق نهج استراتيجي متكامل يوازن بين الاحتياطيات والتعاقدات والبنية التحتية، بما يضمن استدامة التزويد وحماية المواطن والمقيم، حتى في أكثر الظروف تعقيداً.
ــ الدستور