مطامع الاحتلال خلف هجمات المستوطنين في قصرة.. بين الحسابات الأيديولوجية والاعتبارات الانتخابية
الناصرة- "القدس العربي”: يوما بعد يوم يتبّين بوضوح أن الإرهاب اليهودي بقيادة المستوطنين ومشاركة جنود من جيش الاحتلال سواء بالحراسة أو المشاركة بالاعتداء هو تطبيق فعلي لسياسات حكومة الاحتلال الطامعة بتحقيق عدة مكاسب من تفاقم الجرائم وتصعيدها كما تجلى في قرية قصرة أمس.
وفي تصعيد خطير، هجم عشرات الإرهابيين ضمن غزوة جديدة منظمة مع مراكب محملة بالمجرمين على بعض بيوت قصرة وعمدوا إلى اقتحامها والاعتداء على كل من وجدوه في طريقهم وفق ما تؤكده فيديوهات.
هجم عشرات الإرهابيين ضمن غزوة جديدة منظمة مع مراكب محملة بالمجرمين على بعض بيوت قصرة وعمدوا إلى اقتحامها والاعتداء على كل من وجدوه في طريقهم
وحتى الآن، صباح الأحد، لم تعتقل سلطات الاحتلال أيا من المعتدين وهي تقدم ذرائع واهية تبريرا لذلك، فهل فعلا لم يعلم جيش الاحتلال مع قدراته الاستخباراتية مسبقا بقيام عدد كبير من المستوطنين المجرمين بدخول قصرة الواقعة في المنطقة "باء” داخل الضفة الغربية المحتلة، فيما يؤكد الأهالي الفلسطينيون أن الاعتداءات تتم تحت حراسة وبمشاركة الجنود ورجال حرس الحدود الذين قاموا بعزل أصحاب بعض بيوت قصرة ومحاصرتهم وتعصيب عيونهم وتوثيق أياديهم.
"مثيرو الشغب”
في ضوء اتساع الانتقادات الدولية بعد فضح الكثير من الجرائم بالصوت والصورة، حاول رئيس حكومة الاحتلال في الليلة الفائتة تخفيف وتلطيف الجرائم من خلال الزعم بالعبرية والإنكليزية أن إسرائيل دولة قانون وأن عددا من "الفوضويين” يخالفونه. في هذه الضريبة الشفوية تتضّح الفجوة الكبيرة بين أقواله وبين أفعاله في غزة وفي الضفة.
في محاولة لتزوير الواقع الخطير اعتبر بنيامين نتنياهو المعتدين "مثيري شغب ينتهكون القانون، ويعملون على عرقلة عمل الجيش في أداء مهامه والإضرار بمكانة إسرائيل في العالم”.
وتبعه في ذلك، رئيس إسرائيل يتسحاق هرتسوغ الذي أدان "هجمات المستوطنين على البلدتين الفلسطينيتين” قصرة وجالود. هرتسوغ الذي لا يتمتع بصلاحيات فعلية اعتبر "هذا تجاوزا للخط الأحمر من قبل منتهكي القانون الذين يتصرفون في انتهاك صارخ لقوانين وقيم دولة إسرائيل”.
هرتسوغ الذي يشارك في تخفيف وتلطيف الواقع النازف المتفجّر بمصطلحات نتنياهو إياها، دعا الحكومة والأجهزة الأمنية والقضاء إلى "العمل بحزم وتنسيق لاستئصال هذه الظاهرة وتقديم المستوطنين مثيري الشغب إلى القضاء”.
بحر أقوال وقطرة أفعال
وتطال الثرثرة الواسعة في إسرائيل المراقبين والمعلقين وعددا من خريجي المؤسسة الأمنية ممن يحذرون من "حالة الفوضى” داخل الضفة الغربية المحتلة، ويزين السواد الأعظم منهم ما يجري بميزان الربح والخسارة والمصالح دون اعتبار لمقاييس الأخلاق والإنسانية.
تطال الثرثرة الواسعة في إسرائيل المراقبين والمعلقين وعددا من خريجي المؤسسة الأمنية ممن يحذرون من "حالة الفوضى” داخل الضفة الغربية المحتلة، ويزين السواد الأعظم منهم ما يجري بميزان الربح والخسارة والمصالح دون اعتبار لمقاييس الأخلاق والإنسانية
تتراوح هذه التحذيرات بين الإشارة لاحتمال عودة الاعتداءات كيدا مرتدا على أمن الإسرائيليين جنودا ومدنيين نتيجة شكل انتفاضة جديدة على مبدأ أن كثرة الضغط تولد الانفجار ولكل فعل رد فعل، وبين "تسويد صفحة” إسرائيل في العالم.
قصرة أو صورة إسرائيل
في هذا المضمار، وعلى سبيل المثال، يقول المحلل السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت” العبرية بن درور يميني اليوم الأحد إنه بدلا من تبديد عشرات ملايين الدولارات على حملات دعائية لتجميل صورة إسرائيل في العالم من المفضل التركيز على اعتقال "الفوضويين”. بن غفير الذي يتمحور في رؤية الجرائم اليهودية بعيون العالم بدلا من النظر لها بعيونهم هم، يرى في مقاله بعنوان "قصرة أو النشاط الدعائي في العالم” أن هذا أفضل لنا في العالم: "من الصعب تسويق إسرائيل عندما يعمل الفوضويون في قصرة مرة تلو المرة- والجيش عاجز ولا توجد اعتقالات”.
ما تشهده في الضفة الغربية سيحسم مصيرنا
في هذا السياق، يتحدث الباحث في الشؤون الفلسطينية المحاضر في جامعة تل أبيب دكتور ميخائيل ميليشتاين بصراحة ودقة أكبر من بن درور يميني ولكنه هو الآخر يركّز في مزاعمه على خطاب المصلحة وهو يتوجه للإسرائيليين محذرا من القادم. ميليشتاين وهو جنرال في الاحتياط عمل رئيسا لوحدة الدراسات في الاستخبارات العسكرية يتوقف عند أخطار السكوت على جرائم الاحتلال: "عشية الانتخابات العامة في أكتوبر القادم نتج وضع مفاده أن الترانسفير شرعي وكل تسوية في الضفة هي فكرة غير مسؤولة”.
ويمضي في تحذيره: "لكن علينا التذكّر أن هناك خوفا من العنف في الضفة سينتقل إلى داخل إسرائيل وأن هذا سيقودنا لدولة واحدة ويتسبب بخراب إسرائيل كما حصل في التاريخ مرتين”. ويكتفي المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس” عاموس هارئيل باستخدام مصطلح "عنف المستوطنين” ويشير لوجود توتر متزايد بين رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو وبين قائد الجيش زامير ويقول إن الأخير يكتفي بالتلميح ويبث رسائل مبطنة بأنه يخشى من ورطة أمنية تنتج عن حسابات سياسية انتخابية لدى نتنياهو وائتلافه الحاكم”.
ويتجاهل هارئيل أن الجيش هو الآخر صوته ضعيف في التعقيب على الجرائم ويشارك جنوده المستوطنين فيها بالحماية والمشاركة المباشرة أحيانا ويبدو أنه يخشى اتهامه من قبل المستوى السياسي وجمهور اليمين بالضعف فالمعركة على الرواية حول السابع من أكتوبر والمسؤولية عن إخفاقات الحرب لم تتوقف بعد.
بحث عن نصر مطلق
وهناك جملة من المطامع خلف هذه الهجمات الإرهابية التي تتحمل مسؤوليتها حكومة الاحتلال ورئيسها ويوافق عليها معظم الإسرائيليين بالصمت والرضا وهي أبعد وأكبر وأخطر من حسابات انتخابية. تتطلع المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة من خلال هذه الحملات الإرهابية في الضفة الغربية المحتلة للتعويض عن فشل الحرب على غزة في تحقيق أهدافها.
ورغم التدمير لم يتحقق التهجير، وحركة حماس ما زالت موجودة والولايات المتحدة تبحث للاجتماع بها كما تبين في لقاء كوشنر ورئيسها خليل الحية في القاهرة قبل أسبوعين، مما يثير حالة إرباك داخل إسرائيل خاصة أن حكومتها وعدت الإسرائيليين بـ”نصر مطلق”.
عوضا عن "النصر المطلق” المفقود في غزة تبحث سلطات الاحتلال عن مكاسب تاريخية كبيرة في الضفة الغربية: تهويد وتضييق خناق وإطلاق مسيرة تهجير الفلسطينيين
عوضا عن "النصر المطلق” المفقود في غزة تبحث سلطات الاحتلال عن مكاسب تاريخية كبيرة في الضفة الغربية: تهويد وتضييق خناق وإطلاق مسيرة تهجير الفلسطينيين. تدلل هذه الجرائم في الأرياف الفلسطينية على أن حكومة الاحتلال تبنت نظرية الحسم لصاحبها سموتريتش عبر السلب والنهب والتهجير والقتل وتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم. يندرج في هذه المساعي محاولة تفكيك السلطة الفلسطينية وإلغاء أي كيانية فلسطينية كي لا تكون نواة لدولة فلسطينية مستقبلا والسيطرة على البلاد من بحرها إلى نهرها.
أطماع سياسية داخلية
علاوة على الدوافع الأيديولوجية والحسابات العسكرية هناك حسابات سياسية داخلية تتعلق بأوضاع نتنياهو ومعسكره في الاستطلاعات العبوسة التي تتنبأ لهم بالسقوط. ضمن المعركة على وعي الإسرائيليين عشية الانتخابات في أكتوبر (ثلاث سنوات على طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر) تشكل جرائم المستوطنين اليومية محاولة عملية من قبل نتنياهو لصرف الأنظار عن غزة لحدث آخر أقل وجعا وحساسية بالنسبة لأصحاب حق الاقتراع.
إن الهدف العملي من هذه الخطة انتظار حالة انفجار تأتي على شكل هجمة فلسطينية على مستوطنة كرد فعل على جرائم المستوطنين لينفجر حدث أمني جلل مبلل بالدم، على أمل أن يؤدي ذلك لتغيير الأجواء العامة في إسرائيل، مما يمكنه من إعادة هندسة وعي الإسرائيليين وتغيير ميول الناخبين لصالحه؛ فتجارب الماضي تدلل على أن الجولات الانتخابية الإسرائيلية المتزامنة مع أزمات وتوترات أمنية تصب الماء على طاحونة أحزاب اليمين في صناديق الاقتراع.
وكل ما يجري داخل الضفة الغربية المحتلة يذكّر بالكثير ومنه ما قاله أستاذ الفلسفة في جامعة تل أبيب آسا كاشير، مؤلف الميثاق الأخلاقي للجيش في مقابلة مع "هآرتس” قبل عام: "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم” غير صحيح وهو يطبّع سلوكا غير أخلاقي: الجيش الأكثر أخلاقية أو الشعب الأكثر أخلاقية أو الدولة الأكثر أخلاقية… مصطلح لم أتفوه به يوما… شعارات واهية وخطيرة”.