عبد الرحيم العرجان : هل ماتت النخوة لأجل "لايك"؟
في مشهد مؤلم هزّ مشاعر الكثيرين، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم حادثة غرق شاب سعودي في تركيا، بعدما علق وسط المياه وهو يستغيث طلبًا للنجدة، بينما كان شقيقه يحاول إنقاذه، وكاد أن يفقد حياته هو الآخر.
لكن ما كان أكثر إيلامًا من الحادث نفسه، هو المشهد الذي أحاط به. عشرات الأشخاص وقفوا على الضفاف، رجالًا ونساءً، شبابًا وأطفالًا، يرفعون هواتفهم لتوثيق المأساة، وكأنهم أمام عرضٍ يستحق التصوير، لا أمام إنسان يصارع الموت. لم تمتد إليه يد، ولم تُلقَ له وسيلة نجاة، بينما كانت الكاميرات تعمل بلا توقف، بحثًا عن "سبق" أو "لايك" أو عدد أكبر من المشاهدات.
هنا يبرز السؤال الذي يؤلم الضمير قبل العقل: هل ماتت النخوة لأجل لايك؟
لقد أصبح بعض الناس ينظر إلى المآسي على أنها محتوى رقمي، لا مواقف إنسانية تستوجب التدخل والمساعدة. وتحولت الهواتف في أحيان كثيرة من وسيلة للتواصل إلى شاهد صامت على فقدان الرحمة، حتى غدا توثيق المأساة عند البعض أهم من محاولة إنقاذ الضحية.
لا أحد يطالب الإنسان بأن يغامر بحياته إذا لم يكن قادرًا على الإنقاذ، لكن أقل الواجب هو طلب النجدة، أو إحضار أدوات إنقاذ، أو تنظيم المكان، أو إفساح المجال لمن يستطيع المساعدة. أما أن يتحول الإنسان إلى مصور يبحث عن الشهرة فوق أنين الضحايا، فهذه أزمة أخلاقية تستحق الوقوف عندها.
والعتب هنا لا يقع على الأفراد وحدهم، بل يمتد إلى أصحاب القرار والجهات الرقابية، التي لم تضع حتى اليوم تشريعات واضحة تجرّم استغلال الكوارث الإنسانية لتحقيق الشهرة أو المكاسب الرقمية، خاصة في كثير من دول العالم الثالث فتحوا الأبواب أمام ثقافة المحتوى دون تدقيق ومراجعه، على حساب الإعلام المهني والرسالة الإنسانية.
إن الإعلام الحقيقي ليس كاميرا تقتات على الألم، بل رسالة تنقل الحقيقة وتحترم كرامة الإنسان. أما من يصور إنسانًا يحتضر وهو قادر على تقديم المساعدة أو استدعائها، فإنه يخسر إنسانيته قبل أن يكسب آلاف المشاهدات.
فلنعلم جميعًا أن "اللايك" لا يعيد روحًا أُزهقت، ولا يمسح دمعة أم، ولا يواسي قلب أب، ولا يخفف ألم أسرة فقدت عزيزًا. وما يبقى في نهاية المطاف هو الموقف، والضمير، والإنسانية.
فهل آن الأوان أن نعيد للنخوة مكانتها، قبل أن تتحول الإنسانية إلى مجرد ذكرى في زمن الهواتف الذكية؟
* رحال وباحث في سياحة المغامرة