م. عبد الفتاح الدرادكة : ربَّ كلمةٍ تقول لصاحبها: دعني
ليست الأمثال العربية عبارات تُردد للتسلية أو للتزيين اللغوي، وإنما هي خلاصة تجارب إنسانية تراكمت عبر الزمن حتى أصبحت قواعد للسلوك والحكمة. ومن أبلغ تلك الأمثال قول العرب: "ربَّ كلمةٍ تقول لصاحبها: دعني.” فهو مثل يختصر حقيقة لا يختلف عليها اثنان، وهي أن الكلمة قد تكون سبباً في رفعة صاحبها، وقد تكون في الوقت نفسه سبباً في سقوطه وهلاكه.
وتروي كتب الأدب أن أحد الملوك كان في رحلة مع حاشيته، وبينهم وزير أراد أن يلفت انتباه الملك بحديث غريب لا منفعة فيه. وعندما مر الموكب بجوار صخرة ملساء كبيرة، قال الوزير: "لو قُطع رأس رجل على هذه الصخرة، فإلى أي مسافة سيسيل دمه؟” كان سؤالاً لا يحمل حكمة، ولا يحقق مصلحة، ولا يخدم غاية، وإنما هو فضول ممزوج بحب الظهور. فما كان من الملك إلا أن قال: "لقد خطرت لي الفكرة نفسها، ولعلنا نجربها بك.” فأمر الحراس بتنفيذ الأمر، فكانت الكلمة التي نطق بها الوزير آخر ما قال.
وسواء صحت الرواية أو كانت من القصص التي صاغها الأدباء للعبرة، فإن مغزاها لا يزال صالحاً لكل زمان. فكم من إنسان خسر منصبه، أو مكانته، أو احترام الناس، أو حتى حياته، بسبب كلمة لم يكن مضطراً إلى قولها.
إن أخطر ما في الكلمة أنها إذا خرجت من فم صاحبها لم يعد يملك استردادها، بل تصبح ملكاً للناس، يفسرونها كما يشاؤون، ويبنون عليها المواقف والأحكام. ولذلك قال الحكماء: "لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه.” فالعاقل يفكر ثم يتكلم، أما غيره فيتكلم ثم يبدأ بالتفكير بعد أن يكون الأوان قد فات.
وفي زمن الإعلام المفتوح ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الكلمة أكثر خطورة من أي وقت مضى. تصريح عابر قد يشعل جدلاً واسعاً، وجملة غير محسوبة قد تتحول إلى قضية رأي عام، ورأي قيل في لحظة انفعال قد يبقى سنوات يلاحق صاحبه. ولم تعد المسافة بين الكلمة وردة الفعل سوى ثوانٍ معدودة، لذلك أصبحت الحكمة في الحديث ضرورة وليست ترفاً.
وفي كثير من المجالس والاجتماعات، حيث يعتقد بعض الناس أن الإطالة في الحديث، أو المبالغة في المديح، أو كثرة التعليقات، سبيل إلى كسب رضا أصحاب القرار. لكن التجربة تثبت أن أصحاب الرأي السديد لا ينظرون إلى عدد الكلمات، وإنما إلى قيمتها. فالكلمة التي تحمل فكرة ناضجة خير من خطبة طويلة لا تضيف جديداً.
ومن الظواهر التي تؤذي الحياة العامة كذلك، ظاهرة التملق والنفاق، حين يتحول الكلام إلى وسيلة للتقرب لا إلى أداة للتعبير عن الحقيقة. وقد يحقق النفاق مكسباً مؤقتاً، لكنه لا يبني ثقة، ولا يصنع احتراماً، ولا يؤسس لنجاح دائم. فالصدق، وإن كان قليلاً، أبقى أثراً من مئات العبارات المصطنعة التي لا تعكس ما في القلوب.
إن الإنسان لا يُقاس بقدر ما يتحدث، بل بقدر ما يحسن اختيار كلماته. فالكلمة الحكيمة قد تصلح خلافاً، وتبني جسراً، وتفتح باباً للخير، بينما كلمة طائشة قد تهدم علاقة، أو تثير فتنة، أو تجر على صاحبها من الندم ما لا ينفع معه الاعتذار.
ولذلك بقيت الحكمة العربية خالدة حين قالت: "خير الكلام ما قل ودل.” ولم يكن المقصود تقليل الكلام لذاته، وإنما الدعوة إلى أن يكون الحديث نافعاً، وأن يكون الصمت خياراً حين يغيب النفع. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال جاء أوانه، وليس كل رأي يستحق أن يُعلن.
وفي النهاية، فإن الإنسان قد يندم على كلمة قالها أكثر بكثير من ندمه على كلمة آثر ألا يقولها. ومن أدرك قيمة الكلمة، أدرك أن الحكمة تبدأ من لحظة الصمت التي تسبق الكلام، وأن المثل العربي القديم سيبقى صالحاً لكل عصر: "ربَّ كلمةٍ تقول لصاحبها: دعني.” ففي زمن تتسابق فيه الألسنة قبل العقول، تظل الرزانة، وضبط النفس، وحسن اختيار الألفاظ، من أسمى صور الحكمة، والله من وراء القصد.