الأخبار

د. نضال المجالي : السرديّة الأردنيّة: خيلٌ أصيلة لا يعتليها إلا الفرسان

د. نضال المجالي : السرديّة الأردنيّة: خيلٌ أصيلة لا يعتليها إلا الفرسان
أخبارنا :  

الدكتور نضال المجالي

السرديّة الأردنية ليست مجرد حكاية تروى، ولا نصا أدبيا يقرأ كما تقرأ الرواية أو القصة القصيرة، بل هي كيان حي نابض، او كما وصفها في جلسة نقاش العميد موسى بك الوديان بانها تشبه الخيل العربي الأصيل؛ قوي الحضور، عميق الجذور، لا يمنح ثقته بسهولة، ولا يحمل فوق ظهره إلا من يعرف كيف يوجه خطاه بثبات وحكمة. فالسرديّة، بخلاف القصة التي قد تبدأ وتنتهي داخل حدود الخيال، هي بناء معنوي يتشكل من التاريخ والذاكرة الجماعية والتجربة الوطنية الممتدة عبر الزمن.

السرديّة الأردنية ولدت من تفاعل الإنسان مع الأرض، من صلابة الصحراء، ومن صبر القرى، ومن حكايات المدن التي احتضنت موجات متلاحقة من التحولات والتحديات. هي ليست نصا واحدا، بل مجموعة أصوات تتقاطع لتشكل معنى الانتماء؛ صوت الجندي على الحدود، وصوت المزارع في الحقل، وصوت الإنتاج في المصانع، والطلبة في طابور صباحي، وصوت الأمّ التي تحفظ الحكاية وتنقلها جيلا بعد جيل، صوت ونبض الوطن وأحداثه. لذلك فإن التعامل مع السرديّة ليس عملا سرديّا بسيطا، بل مسؤولية معرفية وأخلاقية تتطلب فهم السياق قبل إطلاق الأحكام.

وحين نقول إنّ السرديّة كالخيل العربي الأصيل، فنحن نشير إلى طبيعتها الحساسة والقوية في آن واحد. فهي لا تقبل الارتجال، ولا تحتمل التزييف أو الادعاء. ومن هنا تبرز ضرورة الحذر؛ إذ لا ينبغي للبعض أن يتنطح لسبر أغوارها ما لم يمتلك أدوات الفارس الحقيقية، وفهمه العميق لطباع الخيل الأصيلة. فالسرديّة ليست ميدان استعراض أو مساحة لإثبات الحضور، بل اختبار للوعي والاتزان.

 

حديثا، كم من أصوات تقترب منها باندفاع ظنا أنها سهلة الانقياد، فسقطت تحت أقدامها، بل أُلقي بها عن ظهرها حين عجزت عن الموازنة بين الحقيقة والمسؤولية. فالفارس لا يقاس بصخب صوته، بل بقدرته على السيطرة دون قسوة، وعلى القيادة دون ادعاء.

حديث السردية الأردنية يتطلب عمق وفهم وجراءة وقبلها العودة إلى من عاشها حقيقة او كتبها توثيقا، السرديّة الأردنية لا تبنى بالشعارات، بل بالفهم المتراكم، ولا تصان بالعاطفة وحدها، بل بالوعي النقدي الذي يحفظها من التشويه. فهي ميراث مشترك يتطلب شجاعة في حمله وأمانة في نقله. الفارس الحقيقي هنا ليس من يرفع صوته، بل من يعرف متى يصمت ليستمع، ومتى يتقدم ليقود.

وهكذا تبقى السرديّة الأردنية خيلا أصيلة تجري في ميدان الزمن؛ لا يروضها إلا من امتلك المعرفة، ولا تستجيب إلا لمن جمع بين الجرأة والحكمة، فاستحق أن يكون فارسها لا مجرد راكب عابر، ولهذا ادعوا الدولة وبحزم شديد لوضع قيود وشروط ومؤهلات لمن يرغب ان يتقدم ويعتلي منصة الحديث او التدوين والجمعللسرديّة الاردنية.

مواضيع قد تهمك