د. رائد القطيفان يكتب : المملكة الأردنية الهاشمية… الدولة الفكرة والقيادة الرسالة
بقلم: د. رائد القطيفان
حين نتحدث عن المملكة الأردنية الهاشمية، فإننا لا نستحضر مجرد كيان جغرافي أو إطار دستوري، بل نستحضر فكرة دولة تشكّلت على قاعدة الرسالة والشرعية التاريخية والوعي السياسي العميق بطبيعة الإقليم وتحولاته. إنها دولة قامت على مزيج فريد من الأصالة الهاشمية والحداثة المؤسسية، واستطاعت عبر قرنٍ من الزمان أن تبني نموذجًا في الاستقرار السياسي، والاعتدال، والقدرة على التكيّف مع أعقد التحولات الإقليمية والدولية.
لقد ارتبط تأسيس الدولة الأردنية بقيادة الأسرة الهاشمية، التي تستمد شرعيتها من عمقها التاريخي وانتمائها لآل البيت، ومن دورها الريادي في الثورة العربية الكبرى، تلك الثورة التي أعادت الاعتبار لفكرة الدولة العربية الحديثة القائمة على الحرية والكرامة والوحدة. ومنذ ذلك الحين، ظلّ المشروع الأردني مشروع دولة مؤسسات، تحكمها الشرعية الدستورية، ويقودها وعي سياسي يستشرف المستقبل دون أن ينفصل عن جذوره.
أما حين نقول "وقائدها العظيم أبو حسين"، فإننا نشير إلى حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي يمثّل امتدادًا طبيعيًا لنهج الدولة الأردنية في الحكمة والاعتدال. فقيادته لم تكن مجرد إدارة لشأن داخلي، بل ممارسة واعية لدور إقليمي ودولي يوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقع المتغيّر. لقد قدّم الأردن في عهده نموذجًا للدولة التي تحافظ على أمنها واستقرارها، وفي الوقت ذاته تنخرط بفاعلية في الدفاع عن قضايا أمتها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
إن مفهوم القيادة في التجربة الأردنية ليس مفهومًا سلطويًا، بل هو مفهوم تشاركي يقوم على تعزيز دور المؤسسات، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، ودعم مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري. ومن هنا جاءت رؤى التحديث التي أكدت أن الدولة القوية ليست تلك التي تُغلق على ذاتها، بل التي تجدّد أدواتها وتُعزّز ثقة مواطنيها بها.
المملكة الأردنية الهاشمية هي دولة الرسالة الوسطية، فهي تقف في وجه التطرف والغلو، وتطرح خطابًا دينيًا عقلانيًا يعكس حقيقة الإسلام السمحة. وهي دولة القانون التي تحرص على صون كرامة الإنسان، وتؤمن بأن الاستثمار في التعليم والشباب هو الضمانة الحقيقية للمستقبل. كما أنها دولة التوازنات الدقيقة في إقليم مضطرب، حيث نجحت في أن تبقى واحة أمن واستقرار رغم ما يحيط بها من أزمات.
إن الوطنية الأردنية ليست شعارًا عاطفيًا، بل هي وعي بالمسؤولية، وإدراك لحجم التحديات، وإيمان بأن الدولة مشروع جماعي يتطلب من الجميع أن يكونوا شركاء في حمايته وتطويره. وحين يلتف الأردنيون حول قيادتهم، فإنهم لا يفعلون ذلك بدافع العاطفة وحدها، بل انطلاقًا من قراءة عميقة لمسار دولة أثبتت عبر تاريخها أنها قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى دوافع إصلاح وتطوير.
في الختام، تبقى المملكة الأردنية الهاشمية نموذجًا لدولةٍ عرفت كيف توازن بين الثابت والمتغيّر، بين الهوية الوطنية والانفتاح العالمي، وبين قوة الدولة ودفء المجتمع. ويبقى قائدها، أبو حسين، عنوانًا لمرحلة تؤمن بأن الاستقرار لا ينفصل عن الإصلاح، وأن الكرامة الوطنية لا تتحقق إلا بوحدة الصف وتعزيز الثقة بين القيادة والشعب.
حفظ الله الأردن قيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار.