اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

صالح الراشد : هكذا يصبح اللصوص سادةً والشرفاء عبيدًا!

صالح الراشد : هكذا يصبح اللصوص سادةً والشرفاء عبيدًا!
أخبارنا :  

صالح الراشد


يتراكض المواطنون الجهلاء المنتشرون في شتى بقاع الأرض لاجل لقطة وهم يهمسون في اذن المسؤول أمام الناس والتقرب منه بالتبجيل والتهليل، موجهين رسالة للبقية بأننا عبيد من نوع فاخر نقبل الرأس واليد ونقول أمرك ولا نرى إلا ما يراه السيد صاحب المنصب الرفيع، ولا يمانعون إن جلسوا بين يده أو مقابله فالمهم أن تغمرهم عيناه بفيض كرم منصبه وعذوبة بسمة من شفتين ما نطقتا إلا كذباً لسنوات طوال، لينقله الزاحفون بين يديه على أكتافهم ورؤسهم صوب منصب يمنحه القدرة ليدوسهم بقدميه المباركتين، اللتين طافتا ببيت الامة سنوات طوال وسعت بين المناصب والوزارات ولم تفكر يوماً بيوم الوداع، فهؤلاء عملوا جهدهم وبذلوا كل غالٍ وثمين وضحوا بكل رخيص حتى يصبحوا من السادة واستعباد الآخرين، ساعين للتنغيص على حياة الشعوب وامتهان كرامتهم وتشديد القوانين لتحويل المواطن الحر لمواطن تابع، مستخدمين طريقتي الرضا أو الهوان، فيما الصفوة المثقفة في المجتمعات تنبذ هؤلاء سراً كونهم عبء على المجتمع ومصيبة على المال العام ويقدمون مصلحتهم على مصلحة الوطن، ويخشى المثقفون ارتفاع صوتهم بالحق حتى لا يتم إجبارهم على الصمت بقوة الباطل .


فأصل الأشياء أن تعمل السلطات الثلاث على حماية الشعب كونه الوطن ولا وطن دون شعب وبدونه لا حاجة لمسؤول، ولكل من هذه السلطات الثلاث ثلاثة واجبات محددة الأركان، فمجالس الأمة تعمل على ثلاثية تشريع القوانين التي تنعكس على مصلحة الوطن، ومكافحة الفساد الإداري والمالي الذين يهددا سلامة المجتمع والوطن، ومراقبة الحكومة في تنفيذها للقرارات،

وللسلطة التنفيذية ثلاثية تنفيذ القوانين بعدالة وإدارة شؤون الدولة داخلياً وخارجياً، وحفظ الأمن والنظام العام، وتقوم السلطة القضائية على ثلاثية تطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات وضمان العدالة للجميع، وهذه الثلاثيات تولد ثلاثية تطور المجتمع وزيادة الحرية والديموقراطية وصولاً للعدالة الاجتماعية الشمولية، وهذه تقودنا لثلاثية النهضة الاقتصادية وتعزيز تبادل السلطات ورقي المجتمعات، لكن أصحاب المناصب في عالم الضلال فضلوا ثلاث على ثلاث ففضلوا غمس رؤسهم في التراب كالنعام على رفع رؤسهم كالأسود في مواجهة الأخطار، ورقصوا كالقرود على موسيقى النفاق وتسلق الأشجار بدلاً من الثبات كالفيلة في مهب الريح، وسبحوا مع تيار الفساد والمصلحة الخاصة كسمك السردين وثعابين البحر، رافضين السباحة ضد التيار كأسماك السلمون غالية الثمن، فتراجعت قيمتهم الشمولية مكتفين برفعة مؤقتة زادتهم هبوطا.


وكحل طبيعي تظهر عمليات الاستبدال بخروج العلماء والحكماء ودخول الجهلاء، ويغادر الأمناء ويتم تقريب الفاسدين فيضيع العلم ويعلوا صوت البلهاء ونصل لمرحلة عبارة متداولة منسوبة إلى ابن خلدون بقوله: "عندما تنهار الدول يكثر المنجّمون والأفّاقون والمتفقّهون والانتهازيون، وتعمّ الشائعة، وتطول المناظرات، وتقصر البصيرة، ويتشوّش الفكر"، وقمة خراب الدول أن تصبح السلطات الثلاث أدوات لتنفيذ إرادة جهة واحدة بدل أن تكون سلطات مستقلة ومتوازنة، وتكتمل مصائب الدول بانتشار الظواهر الصوتية في شتى المجالات وبالذات في السلطات التشريعية والتنفيذية وصولاً للسلطة الرابعة بكثرة المهرجين المسيرين بقوة الدولار في الإعلام، وهؤلاء مجتمعون يقودون الدول صوب الرجعية والتخلف بقتل الابداع وتمكين الفاسدين ونشر فسادهم، وللتغطية على هذه الجرائم ترتفع أصوات الظواهر الصوتية لتهز الجبال كذباً كون فعلها على أرض الواقع يؤول إلى الصفر.


وبالتالي يتم تعزيز تجفيف منابع الأخلاق بإخفاء العلماء وتكميم أفواه الحكماء وتسييد الجهلاء، فتتصحر العقول وترتجف القلوب، وهنا تبكي العيون لا خوفاً على وطن بل لخسارة مباراة تثير الفتن، لتتراجع قيمة المواطن في شتى دول العالم ليتحول في غالبيتها لمجرد رقم لا يهز مشاعر أحد، فإن ذهب واختفى رقم، فهناك غيره كرقم وليس كمعرفة وكقيمة وطنية، بل ان الحروب التي يتم افتعالها لقتل مواطن لها أهداف أخرى ليكون القتلى مجرد غطاء لنشر المزيد من القتل، مستفيدين من شرعنة القتل وتمجيد الإعلام لابطال من ورق وتاريخ مكذوب وعدو مصطنع، فيما الشعوب مخدرة بفكرٍ يعلّمها الصبر على الظلم، والقناعة بالواقع، والرضا بالبؤس حتى تنسى أن لها حقًا في تغييره، وهنا تنهار الدول وتُهزم من داخلها وبالذات حين يصبح الولاء للأشخاص لا للوطن، وتُقاس قيمة الإنسان بالتملّق لا بالإنجاز، ويصبح التسلق مهارةً والاستقامة غباءً، ليتفتّت النسيج الاجتماعي، ويدرك الجميع متأخرين أن الأوطان تستقيم بالمساءلة وليس بالتبرير والصمت حتى لا يتحول الفعل المخالف لامتياز وحق ونهج ولا يجد احد نفسه فوق القانون، ولا يوفر المنصب الحصانة لأحد ولا يوقف المساءلة.


آخر الكلام:


تنهار الدول حين يتراجع العدل، ويحلّ الهوى مكان الحكم، ويُبجَّل التافه ويُحتقر الأصيل، فيصبح اللصوص سادةً، والشرفاء عبيدًا.


مواضيع قد تهمك