اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

سمير حمدان - بودابست : الغرب يهزم أعداءه ويجدّد أسباب وجودهم

سمير حمدان  بودابست : الغرب يهزم أعداءه ويجدّد أسباب وجودهم
أخبارنا :  

قد تنجح الحرب على الإرهاب في قتل القادة وتفكيك الشبكات، لكنها تخفق حين تعجز عن منع تجدّد العنف، بعد ربع قرن من ١١ أيلول، لم تتحقق أحلام أسامة بن لادن، ولم تعد القاعدة التنظيم الذي هزّ العالم في مطلع القرن، لكن السؤال الذي سبق ظهورها وبقي بعدها لم يُحسم، لماذا يجد خطاب يعد بالموت جمهورًا بين أناس يحتاجون إلى الحياة، وماذا يحدث حين تهزم القوة التنظيم، لكنها تترك له حجته .


إدانة القاعدة لا تقبل مساومة، فقد اختارت قتل الأبرياء، وادعت تمثيل مظالم لا تمنحها حق الحديث باسم أصحابها، غير أن مسؤوليتها الكاملة عن جرائمها لا تلغي مسؤولية سياسات ساعدت في تهيئة بيئة انتشارها، فالتطرف لا ينتج من الظلم وحده، ملايين المظلومين يرفضونه، إنه يتشكل حين تلتقي أيديولوجيا إقصائية وشبكات تجنيد بحروب مفتوحة وقمع سياسي وانسداد في أفق العدالة، والسؤال ليس لماذا يوجد الظلم، بل كيف يحوّله البعض إلى هوية مغلقة، وكيف يقنعون الناس بأن الإنصاف مستحيل خارج العنف .


هنا تقع مسؤولية واشنطن وحكومات غربية وفّرت للاحتلال دعمًا سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، وتحالفت مع أنظمة استبدادية، وقدمت الحماية لحلفاء لا يحترمون حقوق الشعوب، الاعتراض ليس على عجز الغرب عن إنقاذ المنطقة، بل على مشاركته في خيارات أضرت بحقوق سكانها، فعندما تُختزل العلاقة بالمنطقة في أمن الطاقة والعقود والردع الإقليمي، يصبح المواطن تفصيلًا في معادلة استقرار لا يملك حق تقرير شروطها .


وتتكامل هذه المصالح مع أنظمة محلية تستخدم الحماية الأجنبية لتحصين سلطتها، وتستبدل المشاركة بالأجهزة الأمنية، والتنمية بشبكات الامتيازات، لذلك لا يبرئ الاستعمار الاستبداد، ولا يمحو فساد الداخل مسؤولية الخارج، كلاهما يسهم في إغلاق المجال الذي يمكن أن تنتج فيه المجتمعات حلولًا سلمية لمشكلاتها، أو تصحح أخطاءها عبر السياسة بدل العنف .


العراق يكشف الفرق بين إسقاط الخصم وبناء السلام، فالغزو الذي بُرر بأسلحة دمار شامل لم يُعثر عليها، أعقبه حل الجيش واجتثاث البعث، ما وسّع الإقصاء وقوّض مؤسسات الدولة، وفي الفراغ الناتج، استثمرت الجماعات المسلحة في الانهيار والصراع الطائفي، وفي أفغانستان، عادت طالبان بعد عقدين من التدخل الدولي، لا تعني التجربتان أن القوة بلا جدوى دائمًا، بل إن النجاح العسكري لا يعوض غياب تسوية مستدامة ومؤسسات يثق بها السكان .


أما أبو غريب وبرنامج التعذيب الأميركي فكشفا خسارة أعمق، أن تنتهك الدولة القيم التي تستمد منها شرعية حربها، لم تكن القاعدة سببًا في نشوء العنف الرسمي، لكنها منحت خصمها ذريعة لتوسيع الاستثناء الأمني وتجاوز القانون، وحين يصبح انتهاك الحقوق مقبولًا لأن العدو متوحش، تتحول وحشيته إلى مصدر صلاحيات لخصمه، تلك مفارقة الإرهاب، قد يفشل في مشروعه، لكنه يدفع خصمه إلى إضعاف القيود التي تحمي المجتمع منه .


وفي فلسطين تتجسد أزمة المعيار، فالدعوة إلى حماية المدنيين تفقد صدقيتها حين تعجز القوى الغربية عن تقييد حليف يقتلهم أو يواصل احتلال أرضهم، والخطر ليس أن كل فلسطيني سيتطرف، بل أن استمرار الاحتلال والإفلات من العقاب يمنح دعاة العنف مادة لتصوير السياسة والقانون باعتبارهما خدعة، التنظيم يختطف صوت الضحية، والحماية الخارجية للمعتدي تطيل مأساتها وتضيّق المساحة أمام المطالبة بالحقوق من دون استهداف الأبرياء .


التاريخ يشرح آليات الانفجار، ففي ١٩١٤ وسّعت التحالفات والتعبئة وسوء الحساب حربًا لم يتخيل أحد مداها، وفي أزمة السويس عام ١٩٥٦، كشفت الضغوط الأميركية حدود استقلال القرار البريطاني والفرنسي رغم تفوقهما العسكري، الدرس ليس انتظار انهيار قوة كبرى، بل إدراك أن امتلاك أدوات التدمير لا يعني امتلاك شروط التسوية، وأن نزاعًا إقليميًا يستطيع نقل كلفته إلى مجتمعات بعيدة .


المطلوب ليس مزيدًا من الشعارات، بل دولة فلسطينية ذات سيادة، وإنهاء الاحتلال، وربط الدعم العسكري بالمساءلة، وحماية الثروات من نهب الداخل وصفقات الحماية الخارجية، وفتح طريق جدي للمشاركة والتنمية، هذه الإجراءات لا تلغي التطرف، لكنها تنازعه ادعاء احتكار الأمل، فأقسى هزيمة للغرب أن يهزم تنظيمات تزعم أن القانون خدعة، ثم يترك للناجين من سياساته أسبابًا جديدة لتصديقها .



مواضيع قد تهمك