عبد الرحيم العرجان : 177 مقالاً في سياحة المغامرة… وماذا بعد؟
كتبت خلال السنوات الماضية 177 مقالاً تناولت فيها سياحة المغامرة والطبيعة والمسير والترحال، والفرص التي يمكن أن تجعل من الأردن وجهة أكثر حضوراً على خريطة هذا النوع المتنامي من السياحة مقتديا بمولاي جلالة الملك وولي عهدة الامين ان السياحة كنزنا الحقيقي الفريد.
لم أكتب بحثاً عن مجاملة أو منصب، ولا لأضيف رقماً إلى سيرتي. بل لأنني مؤمن بالفكرة، ومؤمن بالأردن.
وكل ما جاد به قلمي طوال هذه السنوات كان إيجابياً في جوهره، ولم يعرف يوماً لغة السلبية أو التشكيك، رغم أننا مررنا بالكثير من المواقف والتجارب التي كان يمكن أن تدفعني إلى الكتابة بطريقة مختلفة، وربما كانت ستجلب اهتماماً أكبر من القراء.
لكنني اخترت أن أبحث عن الجانب المضيء، وأن أقدم الفرصة قبل المشكلة، والحل دون شكوى، وعما يمكن أن نفعله، بدلاً من الاكتفاء بالحديث عما لم ننجزه.
لم تكن الكتابة من خلف المكتب
لم تكن تجربتي مجرد كتابة من خلف مكتب، بل جاءت من أرض الميدان من عين اليقين.
رافقت العديد من الرحالة الذين زاروا الأردن، على حساب وقتي وجهدي بكل سعادة، وحرصت على أن يعيشوا روح التجربة من خلال مساراتها وطبيعتها ومواقعها المختلفة.
وأيضاً مشاهير وسفراء وأعضاء من السلك الدبلوماسي إلى وجهات غير مطروقة، رغبة في تعريفهم بجانب آخر من الوطن لا يظهر دائماً في الصورة السياحية النمطية، أملاً في أن يحملوا هذه الصورة معهم، وأن يرووا لآخرين ما شاهدوه من جمال وأمان وتنوع، وتم ذلك.
وفي الوقت نفسه، حاولت أن أوجه أنظار ابناء بلدي أنفسهم إلى مواقع ووجهات غابت عن الإعلام، بل استطحبت اعلامين انفسهم، وفي بعض الحالات من أوائل من اعدوا برامج عنها بنائا على ما قدمت، ومسؤولين واصحاب قرار فاتحا اعينهم على مسارات قد تدر ذهبا.
من الميدان إلى البحث والمؤسسات
ولم أدخر من وقتي وجهدي في الجانب العلمي والمعرفي.
قدمت خمسة أبحاث في مؤتمرات علمية، وتحدثت في عشرات الندوات والمحاضرات في الجامعات و على منابر المنتديات الفكرية والثقافية في الاردن والخارج، إلى جانب العديد من المقابلات التلفزيونية والإعلامية التي كان موضوعي فيها وطني بكل فخر، والفرص التي يمكن أن يوفرها هذا القطاع.
كما أتاحت لي خبرتي المتراكمة أن أكون عضواً في لجان رفيعة المستوى، للمساهمة بالرأي والخبرة في مجالات التخطيط والتطوير في وزارتي الثقافة والسياحة والآثار.
وهي مسؤولية أعتز بها، لأنها تعكس الثقة التي مُنحت لي للمشاركة في النقاش وصناعة الرأي حول قضايا تقع ضمن مجال خبرتي.
وعلى مدى السنوات، طرحت العديد من الاستشارات والآراء والمقترحات المتعلقة بهذه الصناعة، انطلاقاً من خبرة ميدانية لم تكن نظرية فقط، بل جاءت من الميدان والبحث العلمي والاحتكاك المباشر بالوجهات المحلية والخارجه.
الكتابة وسيلة للترويج
ولم تكن الكتابة مقرونة بالصورة بالنسبة لي مجرد حضور شخصي، بل كانت محاولة للوصول بالأردن إلى جمهور جديد، عبر وسائل الاعلام المحلي والدولية عريقة، وبأسلوب ولغة أثارا اهتمام عدد من الأدباء والكتاب وأصحاب الفكر في عام السياحة وادب الرحلات.
والأهم أن هذا الحضور لم يبقَ حبراً على ورق غدا مرجعا يشار له بالبنان، فقد ساهم ذلك في استقطاب أشقاء عرب، لأنني أعرف، بحكم التجربة والاحتكاك، اسرار ما يبحثون عنه وما يرغبون في اكتشافه، وعن التجربة، والحكاية، والإنسان، والطبيعة، والمسار المختلف.
وهنا أرى أن الإعلام ليس مجرد تغطية لما يحدث، بل يمكن أن يكون جزءاً من صناعة المنتج السياحي نفسه.
2030… فرصة لا ينبغي أن تضيع
واليوم، ونحن نقترب من عام 2030، وما يرتبط به من استعدادات واهتمام بذكرى مرور ألفي عام على تعميد السيد المسيح عليه السلام، تبرز أمامنا فرصة استثنائية يمكن أن تشهد توافداً كبيراً من السياح والحجاج والزوار من مختلف أنحاء العالم.
وهذه الفرصة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مناسبة دينية فقط.
بل يمكن أن تكون بوابة لتعريف الزائر بالأردن كاملاً؛ بمواقعه الدينية والتاريخية، وطبيعته، ومجتمعاته المحلية، وتجارب سياحة المغامرة فيه، وتعدد منتجاته وتفردها بما ادخل ضمن قائمة السجل العالمي الانساني واعتمد من عجائب.
فالسؤال الحقيقي ليس: كم زائراً سيأتي؟
بل: ماذا سنفعل عندما يأتي؟
هل سنكتفي باستقباله في موقع واحد، أم سنمنحه أسباباً للبقاء فترة أطول، والتنقل بين مناطق المملكة.
وهل نستطيع أن نحول الاهتمام المتوقع إلى فرصة سياحية مستدامة؟
بعد 178 مقالاً… ماذا بعد؟
بعد 178 مقالاً، يحق لي أن أتوقف قليلاً واعيد التفكير وأسأل: ماذا بعد؟
هل تكفي اليد الواحدة للتصفيق؟
وهل يكفي أن يكتب الباحث والرحّال والمغامر، ويقترح ويقدم الأفكار، بينما تبقى بحاجة إلى مؤسسة تتبناها وتحولها إلى برامج ومشاريع؟
لكنني أؤمن أن الأفكار الجيدة تحتاج أحياناً إلى من يمنحها فرصة.
هل أتوقف؟
لذلك، ربما حان الوقت لأن أعيد النظر في طريقة استمراري.
لن أتوقف عن شغفي بالتجوال والكتابة والتصوير، ولن أتوقف عن التوثيق والبحث والحديث على المنابر.
لكنني قد أتوقف عن الكتابة بالوتيرة نفسها، وعن تقديم الأفكار باستمرار دون أن أرى طريقاً واضحاً لتحويلها إلى عمل واهتمام.
فالكتابة بالنسبة لي لم تكن يوماً مجرد نشر مقال، بل كانت محاولة للمساهمة في صناعة سردية وطنية، بكل ما تحمله الكلمة من مسؤولية، بشهادة كبار المؤرخين.
وبعد 178 محاولة، ربما آن الأوان لأن أسأل بوضوح:
هل هناك من يريد أن يحوّل هذه الأفكار إلى عمل؟
إن كان الجواب نعم، فأنا موجود.
وإن لم يكن، فسأواصل رحلتي بطريقتي؛ سأمشي، وأسافر، وأكتب، وأصوّر، وأوثق، وأترك ما كتبه قلمي شاهداً على أنني اخترت الإيجابية دائماً، وأنني آمنت بشغفي، وحاولت أن أروّج للأردن بانتمأ.
والفرص لا تنتظر طويلاً…
وعام 2030 يقترب.
فهل نكون مستعدين؟