لما جمال العبسة : اجتماعا العشرين وشنغهاي.. أيهما أنجح؟
خلال الايام الماضية كشف المشهد العالمي عن تباين صارخ في رؤية الدول الكبرى لشكل الاقتصاد العالمي في المدى المنظور، حيث جاء اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في مدينة آشفيل في نورث كارولاينا الامريكية، ومن الطرف الاخر الاجتماع الـ26 لمجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون، واجتماع «شنغهاي للتعاون بلس» في العاصمة القرغيزية بشكيك، الإجتماعان جاءا كمرآتين تعكسان الانقسام العميق في النظام الدولي، الأولى بقيادة واشنطن التي تسعى لفرض مزيد من القيود والعقوبات، بينما الثانية بقيادة بكين وموسكو، اللتين طرحتا رؤية لعالم متعدد الأقطاب يرفض الخضوع لإملاءات الغرب.
في متابعة لمجريات هذين الاجتماعين يتكشف تباين صارخ بين قمة العشرين وقمة شنغهاي، وهو تباين يعكس ليس فقط اختلاف الأولويات، بل اختلاف الرؤى حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي، في آشفيل اجتمع وزراء مالية أكبر الاقتصادات لمناقشة أزمة الديون العالمية المتفاقمة، لكنهم عجزوا عن صياغة بيان مشترك بسبب تحفظ الصين على ثلاث فقرات تتعلق بالعقوبات والهيمنة المالية الغربية، وهذا العجز لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي، بل إشارة إلى أن أدوات الغرب التقليدية لم تعد قادرة على فرض توافق دولي، وأن الانقسام بات يهدد فعالية هذه المنصة التي طالما اعتُبرت مركزية في إدارة الاقتصاد العالمي.
في المقابل، قمة شنغهاي التي تضم 10 دول تمثل أكثر من 40 %من سكان العالم وتشكل اقتصاداتها 25 % من الناتج الإجمالي العالمي كانت أكثر انسجاماً وتوافقاً، حيث اجمع قادة روسيا والصين وإيران ودول آسيا الوسطى وتركيا على رؤية مشتركة لعالم متعدد الأقطاب، النقاشات هناك لم تقتصر على الأمن الإقليمي، بل امتدت إلى بناء شبكات اقتصادية وتجارية بديلة، وتأكيد التحرر من هيمنة الدولار، وإيجاد مسارات جديدة للطاقة والتكنولوجيا، وهذا التوافق يعكس أن الدول المشاركة باتت ترى في التعاون البيني وسيلة عملية لمواجهة الضغوط الغربية، وأنها قادرة على صياغة خطاب موحد يضع مصالحها فوق أي إملاءات خارجية.
وإذا نظرنا إلى البعدين الاقتصادي والجيوسياسي معاً، نجد أن قمة العشرين أعادت إنتاج خطاب الهيمنة عبر العقوبات والقيود، بينما قمة شنغهاي طرحت بدائل عملية تقوم على المصالح المشتركة، ففي آشفيل كان التركيز على ضبط الأسواق عبر أدوات مالية تقليدية، لكن دون حلول جذرية لأزمة الديون أو لاضطراب الطاقة، أما في بشكيك، فقد ظهر أن الدول المشاركة تسعى إلى بناء منظومة جديدة، حيث النفط الإيراني يستمر بالتدفق رغم العقوبات، وحيث التجارة البينية تتوسع لتشكل قاعدة لتحرر تدريجي من النظام المالي الغربي.
وفي ظل هذا كله يبدو أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يواجه مأزقاً في قدرته على فرض إرادته الاقتصادية، بينما منظمة شنغهاي تقدم نموذجاً أكثر جاذبية للدول الباحثة عن استقلالية القرار، لقد عجزت «آشفيل» عن إصدار بيان مشترك؛ ما يرمز إلى تآكل الإجماع الغربي، في حين أن توافق بشكيك يرمز إلى صعود بديل جماعي قادر على إعادة تشكيل التوازنات الدولية.
يمكن القول إن نجاح قمة شنغهاي لا يقاس فقط بقدرتها على جمع التوافق، بل بطرحها لرؤية استراتيجية لعالم متعدد الأقطاب، حيث لا تكون القرارات الاقتصادية رهينة لمصالح واشنطن أو بروكسل، بل انعكاساً لمصالح الدول المشاركة نفسها، وهذا التحول يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في الاقتصاد العالمي، مرحلة تؤكد تجاوز الهيمنة وتؤسس لتوازنات أكثر عدلاً وواقعية.