الصبيحي : - خمسة إصلاحات جوهرية مطلوب مناقشتها تحت القبة
على هامش مناقشة لجنة العمل بالأعيان لتقارير الضمان؛
- قراءة تحليلية في الفجوة التأمينية والملاءة المالية
- خمسة إصلاحات جوهرية مطلوب مناقشتها تحت القبة
أحسنت لجنة العمل بمجلس الأعيان بعقدها اجتماعاً لمناقشة تقريري الربع الأول والربع الثاني لمؤسسة الضمان الاجتماعي، استناداً لأحكام المادة (11/ي) من قانون الضمان؛ إذ تفرض البيانات الماليّة والإحصائية الصادرة عن المؤسسة واقعاً يستدعي التوقف عنده باهتمام ومسؤولية، ولا يُقبَل الاكتفاء بمرور شكلي أو اطلاع سريع من قبل لجنة العمل، بل لا بد من فتح نقاش عميق ومستفيض يتضمن كل التفاصيل والأرقام للوقوف على مدى الملاءة المالية للمؤسسة وما تواجهه من تحديات، وضمان استدامتها عبر العقود القادمة.
وفي هذا لا بد من قراءة متأنيّة لما يلي:
أولاً: الإيرادات والنفقات التأمينية ونسب النمو:
تظهر قراءة المؤشرات المالية التأمينية لنتائج الربع الأول وجود فجوة مقلقة في هيكل النمو المالي، حيث تتضح المعادلة بالأرقام المباشرة:
١) النفقات التأمينية: ارتفعت النفقات التأمينية بنسبة 10.9% لتسجل 562.2 مليون دينار (شكّلت الرواتب التقاعدية الكتلة الأكبر منها بمبلغ 538.5 مليون دينار)، مقارنة بالنفقات التأمينية الإجمالية لنسب العام الماضي التي كانت تسير بمعدلات أقل، مما يعكس تسارعاً واضحاً في التزامات المؤسسة.
ثانياً: الإيرادات التأمينية الكلية: بلغت الإيرادات التأمينية الكلية للربع الأول 633.2 مليون دينار بنسبة نمو بلغت 3.16% فقط مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
.
ثالثاً: انكماش الفائض التأميني: أدى هذا التفاوت الواضح بين نمو النفقات ونمو الإيرادات التأمينية إلى انخفاض فائض المساهمات التأمينية ليبلغ 63 مليون دينار فقط، بانخفاض حاد قدره 34.51%، على الرغم من تراجع النفقات الإدارية بنسبة 26.87% لتصل إلى 8 ملايين دينار.
قراءة في الاختلال الهيكلي
عند تحليل هذه الأرقام، يتبيّن أن نسبة النمو في النفقات التأمينية (10.9%) تبلغ أكثر من ثلاثة أضعاف نسبة النمو في الإيرادات التأمينية (3.16%) ما يمثل اختلالاً صريحاً في التوازن المالي التشغيلي للنظام التأميني. ويعود هذا التفاوت إلى عاملين أساسيين:
الأول: تباطؤ نمو المشتركين الجدد: تواضع قدرة السوق على خلق فرص عمل مستدامة وتوليد اشتراكات جديدة ترفد الصندوق بإيرادات مالية جديدة.
الثاني: التسارع الكثيف في أعداد المتقاعدين: التزايد المستمر والكبير في أعداد المتقاعدين الجدد، ولا سيما عبر بوابة التقاعد المبكر الذي يمتص الفوائض التأمينية مبكراً ويحمل الصندوق التزامات تقاعدية لفترات زمنية أطول، وهو ما يفسر استحواذ الرواتب التقاعدية على 538.5 مليون دينار من أصل 562.2 مليون دينار كإجمالي نفقات تأمينية خلال ربع السنة الأول من العام الجاري.
ثانياً: الجانب الاستثماري وتحدي الملاءة المالية
إن الفلسفة التأمينية المستقيمة تقتضي أن تُغطي الاشتراكات المباشرة كافة المنافع والنفقات وتوفر فائضاً يرفد الجانب الاستثماري. أما في ظل هذا التراجع الحاد في الفائض التأميني بنسبة 34.51%، فإن الضغط يزداد تلقائياً على المحفظة الاستثمارية لترميم الفجوة.
ورغم الأداء الإيجابي للجانب الاستثماري—حيث ارتفعت موجودات صندوق الاستثمار بنهاية الربع الأول إلى 19.171 مليار دينار بزيادة قدرها 519 مليون دينار (2.8%) وحققت دخلاً شاملاً لهذا الربع بلغ 486 مليون دينار بعائد سنوي 5.8% (بعائد حقيقي 4.4% بعد احتساب التضخم)، ثم واصلت الموجودات صعودها مع نهاية الربع الثاني لتصل إلى نحو 19.7 مليار دينار، ليتراكم الدخل الشامل المتحقق خلال النصف الأول بأكمله ليصل إلى نحو 903.8 مليون دينار (منه 633.6 مليون دينار صافي دخل الصندوق، بالإضافة لتعديلات تقييم الأسهم)، وتركز المحفظة في السندات بنسبة 56.7% والأسهم بنسبة 20.7%—إلا أن الاعتماد المتزايد على أرباح الاستثمار لتغطية تباطؤ الفوائض التأمينية يمس جوهر الملاءة المالية طويلة الأجل للمؤسسة.
ما المطلوب مواجهته تحت قبة مجلس الأمة؟
إن مواجهة هذه التحديات تقتضي تجاوز الحلول السطحية والذهاب نحو إصلاحات جذرية شمولية يجب مناقشتها مع الحكومة ومؤسسة الضمان في اللجان المعنية في مجلسي الأعيان والنواب ثم تحت القبة تتضمن:
أولاـ: ضبط تشريعي صارم للتقاعد المبكر ولا سيما في القطاع العام: والهدف هو الحد من النزيف المالي وإبقاء القوى العاملة داخل مظلتي الإنتاج والضمان والاستقطاع لأطول فترة ممكنة.
ثانياً: توسعة المظلة التأمينية: إدماج القطاعات غير المنظمة ومواجهة التهرب التأميني الكلي والجزئي مواجهة ضارية لرفع حصيلة الاشتراكات، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.
ثالثاً: تحفيز بيئة التشغيل: ربط سياسات الضمان الاجتماعي باستراتيجيات نمو تشغيلية وطنية.
رابعاً: تعزيز كفاءة الاستثمار وتنويع محافظه: رفع عوائد المحافظ الاستثمارية لضمان تحقيق عائد حقيقي يتجاوز معدلات التضخم ويدعم الأمان المالي للصندوق.
خامساً: إعادة مراجعة نسبة الاشتراكات الحالية المترتبة على الخزينة عن المؤمّن عليهم في القطاع العام لتعود كما كانت قبل تعديلها في القانون المعدل لسنة 2023.
إن حماية مؤسسة الضمان الاجتماعي هي حماية للأمان الاجتماعي الوطني بأكمله؛ وتشريح هذه البيانات المالية بشفافية وجرأة أمام لجنة العمل في مجلس الأعيان هو الخطوة الأساسية لحماية حقوق المؤمن عليهم والمتقاعدين وضمان تقاعد آمن.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية
الحقوقي/ موسى الصبيحي