أ.د. احمد منصور الخصاونة : حوكمة الجامعات بالذكاء الاصطناعي: الإدارة بــالبيانـات لا بـالاجتهـادات
لم يعد التحول الرقمي في مؤسسات الدولة ترفًا تقنيًا، ولا مشروعًا يمكن تأجيله إلى حين توافر الظروف المناسبة، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة الدولة الحديثة ومتطلبات الإدارة الرشيدة. وفي مقدمة المؤسسات التي ينبغي أن تقود هذا التحول تأتي الجامعات، باعتبارها بيوت الخبرة ومصانع المعرفة، ومن غير المنطقي أن تدرّس تقنيات المستقبل بينما تظل بعض ممارساتها الإدارية أسيرة أدوات الماضي.
إن الانتقال المطلوب يتجاوز استبدال الورق بالشاشات، أو تحويل المعاملات التقليدية إلى معاملات إلكترونية؛ فجوهر التحول الحقيقي هو الانتقال من رقمنة الإجراءات إلى ذكاء الإدارة، ومن القرار القائم على الانطباع والاجتهاد الفردي إلى القرار المستند إلى البيانات والمؤشرات والتحليل والتنبؤ.
وهنا تبرز أدوات ذكاء الأعمال والذكاء الاصطناعي بوصفها ركيزة لحوكمة مؤسسية أكثر كفاءة. فعندما تُجمع البيانات بصورة صحيحة، وتُربط الأنظمة ببعضها، وتتحول المؤشرات إلى لوحات قيادة ذكية، يصبح بالإمكان قياس الأداء، ورصد الانحرافات، واكتشاف مواطن الخلل مبكرًا، ومقارنة النتائج بالأهداف، واتخاذ القرار في الوقت المناسب. والأهم أن القرار يصبح قابلًا للتفسير والتتبع والمراجعة والمساءلة.
وفي الجامعات تحديدًا، يمكن لهذه المنظومة أن تمتد من القبول والتسجيل إلى العبء التدريسي، وتقييم الأداء، والبحث العلمي، والاعتماد والجودة، والإنفاق، والترقيات، والخدمات الطلابية، وصولًا إلى قياس مخرجات البرامج ومدى ارتباطها بسوق العمل. وعندها لا يعود السؤال: من يعرف من؟ بل: ماذا تقول البيانات؟
وهنا تكمن قوة الحوكمة الذكية؛ فهي لا تفترض أن جميع المسؤولين مثاليون، بل تبني نظامًا يقلل أصلًا مساحة القرار المزاجي والاستثناء غير المبرر. وهنا يجد المسؤول نفسه أمام منظومة تقيس قراراته ونتائجها، وتوثق الإجراءات، وتقارن الأداء، وتكشف التفاوت والانحراف.
عندها تصبح النزاهة أقل اعتمادًا على الأشخاص، وأكثر ارتباطًا ببنية المؤسسة نفسها.
إن الدولة التي تريد الاستعداد للمستقبل لا يكفي أن تُدخل الذكاء الاصطناعي إلى مؤسساتها، بل عليها أن تعيد بناء طريقة إدارتها حول البيانات والشفافية والمساءلة. والغاية ليست أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان، وإنما أن يجعل القرار البشري أكثر عدالة ودقة وموضوعية.
فالإدارة الذكية لا تنتظر المستقبل كي تتكيف معه؛ إنها تقرأ مؤشراته، وتستشرف اتجاهاته، ثم تسهم في صناعته.
ــ الدستور