محمد صابرين : أهم أوراق الأردن الاستراتيجية
لم تكن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني الأخيرة إلى الصين مجرد مناسبة لتأكيد الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وإنما كشفت أيضًا عن الطريقة التي يدير بها الأردن علاقاته مع قوة عظمى صاعدة مثل الصين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التوازن الذي طالما ميز سياسته الخارجية.
وجاءت الزيارة في وقت يستعد فيه البلدان للاحتفال بمرور 50 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 2027. وكان البلدان قد ارتقيا بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2015، لتتوسع منذ ذلك الحين من التعاون السياسي إلى التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا والثقافة.
وتزداد أهمية الجانب الاقتصادي في هذه العلاقة. فقد تجاوز حجم التجارة بين البلدين 6.7 مليار دولار عام 2025، وفقًا للسفير الصيني في عمان، بينما تخطت الاستثمارات الصينية في الأردن 3 مليارات دولار. كما ارتفعت الصادرات الأردنية إلى الصين بنسبة 80 % خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، لتقترب من 300 مليون دولار.
وخلال الزيارة، بحث الملك مع المسؤولين والشركات الصينية فرصًا جديدة في الزراعة والأدوية والصناعات الغذائية والهندسية والسياحة والتعليم، بما يعكس رغبة أردنية في الانتقال بالعلاقة من التجارة إلى الاستثمار والإنتاج.
لكن أهمية الزيارة تتجاوز الاقتصاد. فالأردن يدير تقليديًا سياسته الخارجية بحكمة، محافظًا على علاقاته الوثيقة بالولايات المتحدة والدول الغربية، وفي الوقت نفسه مطورًا علاقاته مع الصين وروسيا وغيرها. والهدف ليس استبدال شريك بآخر، وإنما توسيع هامش الحركة والخيارات.
ومن هنا تأتي خصوصية العلاقة مع الصين. فعمّان تنظر إلى بكين باعتبارها شريكًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا متزايد الأهمية، لكنها لا تبدو راغبة في تحويل هذه العلاقة إلى اصطفاف سياسي حصري.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر في ظل البيئة الإقليمية المضطربة. فالأردن معني مباشرة بالقضية الفلسطينية، والحرب في غزة، والتطورات في سوريا والعراق، والتحولات الأوسع في أمن المنطقة. وخلال زيارة الملك، أكد البلدان دعمهما لوقف إطلاق النار في غزة ولحل الدولتين.
كما أن اهتمام الصين المتزايد بالاستقرار الإقليمي والحلول السياسية يمنح الأردن مساحة إضافية للتحرك الدبلوماسي. فبعد سنوات من الحروب التي لم تنتج استقرارًا دائمًا، يلتقي البلدان في التأكيد على الحوار واحترام سيادة الدول ورفض توسيع دائرة الصراع.
المستقبل، مع ذلك، سيتوقف على قدرة البلدين على تحويل الثقة السياسية إلى مصالح اقتصادية أكبر. الأردن يحتاج إلى الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق، والصين تحتاج إلى شركاء مستقرين ونقاط اتصال أوسع في الشرق الأوسط.
ويبقى أنه في عالم يتجه نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، قد تكون هذه القدرة على إدارة العلاقات المتوازنة واحدة من أهم أوراق الأردن الاستراتيجية.
ــ الدستور