اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

عاطف أبوحجر : مين الأول؟

عاطف أبوحجر : مين الأول؟
أخبارنا :  

في الأردن، قد تحصل على 99.9%، فتكتشف أن المشكلة ليست في العلامات التي حصلت عليها، بل في العلامة التي لم تحصل عليها.


تخرج النتيجة على شاشة الهاتف، تعلو الزغاريد، تبدأ الاتصالات، ثم يظهر السؤال القادر على اختصار فرحة كاملة:


«ليش مش 100؟»


وهكذا، قبل أن يستوعب الطالب أنه أنهى التوجيهي، يكتشف أن الامتحان ربما لم ينتهِ بعد.


نتائج الثانوية العامة لا تدخل البيوت بهدوء. هواتف لا تتوقف عن الرنين، وأمهات يتنقلن بين الدعاء والقلق، وآباء يتظاهرون بالهدوء، فيما هم في الحقيقة أكثر توترًا من أبنائهم.


وفي الخارج، تستعد السيارات للاحتفال، وكأن النجاح في التوجيهي مناسبة وطنية تحتاج إلى موكب رسمي.


جاءت نتائج هذا العام مع ارتفاع نسب النجاح واقتراب العلامات العليا من الكمال، حتى بدا الفارق بين التفوق والعلامة الكاملة مجرد عُشر.


99.9%.


نسبة تكفي في معظم أنحاء العالم لفتح أبواب الاحتفال والتهنئة، لكنها في الأردن قد تفتح بابًا آخر:


«وين راحت العلامة؟»


فالطالب الذي حصل على معدل يكاد يلامس الكمال قد يجد نفسه مضطرًا إلى تبرير العُشر المفقود.


وإذا جاء الرد الأبوي المعتاد: «المهم تكون راضي عن نفسك»، فلن يتأخر السؤال التالي:


«طيب، ابن خالتك كم جاب؟»


وهنا تكمن إحدى مفارقات التوجيهي الأردني؛ فالنجاح لا يُقاس دائمًا بما حصل عليه الطالب، بل بما حصل عليه الآخرون.


قد يخرج الطالب سعيدًا بمعدله، ثم تكفيه جملة واحدة عن معدل زميله حتى يتحول الفرح إلى مقارنة.


ولسنوات طويلة، كان السؤال الأشهر بعد إعلان النتائج:


«مين الأول على المملكة؟»


كان السؤال بسيطًا، وإجابته أبسط: اسم واحد، ورقم واحد، ومعدل واحد.


أما اليوم، ومع تعدد الحقول والمسارات في نظام الثانوية العامة الجديد، فقد أصبحت الإجابة أكثر تعقيدًا. هناك أوائل بحسب الحقول والمسارات، ولم يعد «الأول» بالضرورة طالبًا واحدًا يقف فوق الجميع.


قد يحتاج المجتمع إلى بعض الوقت حتى يعتاد ذلك، فهو مجتمع أحب طويلًا الأرقام الواضحة: الأول، الثاني، الثالث، ثم تبدأ المقارنات.


لكن سرعان ما يظهر سؤال آخر لا يقل ضغطًا:


«ماذا ستدرس؟»


وهنا تبدأ المرحلة الثانية من التوجيهي.


فالطالب الذي أمضى عامًا كاملًا يخشى أسئلة الامتحانات، يكتشف أن السؤال الأصعب ربما لم يكن في ورقة الامتحان أصلًا.


إذا قال: «طب»، جاء السؤال: «ليش؟».


وإذا قال: «هندسة»، جاء السؤال: «أي هندسة؟».


وإذا اختار تخصصًا مهنيًا أو تقنيًا، قد يظهر السؤال التاريخي:


«طيب، شو رأيك بالطب؟»


وكأن هناك إجابة نموذجية للحياة، تمامًا كما كانت هناك إجابة نموذجية لأسئلة الامتحان.


ومع بروز المسارات المهنية والتقنية، ينبغي أن نفهم أن التفوق ليس حكرًا على المسار الأكاديمي التقليدي، وأن النجاح لا يُقاس فقط بمدى اقتراب الطالب من تخصصات اعتاد المجتمع وضعها في أعلى سلّم المكانة.


فالطالب ليس رقمًا في جدول المقارنات، ولا مشروعًا عائليًا لاختيار تخصص «مرموق».


خلف كل معدل قصة.


طالب كافح في ظروف صعبة، وطالبة درست في بيئة لم تكن مثالية، وأسرة عاشت عامًا كاملًا على إيقاع الامتحانات والقلق والدعاء.


ثم يأتي يوم النتيجة، فتُختصر سنة كاملة في رقم يظهر على شاشة الهاتف.


وبعدها يبدأ الاحتفال.


ولا مشكلة في الفرح. فالنجاح يستحق الاحتفال، لكن الفرحة لا تحتاج إلى قيادة متهورة، والنجاح لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر خطر على صاحبه أو الآخرين.


أما العلامة، مهما كانت، فتبقى رقمًا.


وليست حكمًا على الإنسان، ولا اختصارًا لمستقبله.


قد ينجح طالب بمعدل متواضع في بناء مستقبل مميز، وقد يكتشف صاحب المعدل المرتفع أن الحياة لا تمنح علاماتها على ورقة امتحان.


التوجيهي محطة، وليس حكمًا نهائيًا.


للطالب الذي حصل على 99.9% نقول: مبروك.


ولا تبحث كثيرًا عن تلك العلامة الضائعة؛ ربما كان من الأفضل أن تضيع، حتى تتعلم منذ الآن أن الحياة لن تمنحك دائمًا العلامة الكاملة.


ولمن لم يحصل على المعدل الذي كان يحلم به، نقول:


لا تجعل رقمًا واحدًا يختصر قصتك كلها.


أما الأهل، فنرجوهم، ولو لليلة واحدة، أن يتركوا أبناءهم يحتفلون بما حققوه، قبل أن يبدأ الاستجواب المعتاد:


«ما التخصص؟ وأي جامعة؟ وكم رسومها؟ وهل إلها مستقبل؟»


فقد يكون الطالب قد خرج للتو من أصعب امتحان في حياته حتى الآن، ولا بأس أن نمنحه بضع ساعات من الفرح قبل أن نضع أمامه ورقة الأسئلة الجديدة.


دعوه يفرح أولًا.


ثم اسألوه ماذا يريد، لا ماذا تريدون أن يكون.


وربما لم يعد السؤال الأهم بعد نتائج التوجيهي:


«مين الأول؟»


ولا:


«ليش مش 100؟»


بل سؤال أبسط، وأصعب، وأكثر إنصافًا:


«مين رح يكون سعيدًا بالطريق اللي اختاره؟»


ففي النهاية، ليست القضية أن نعرف من كان الأول، بل أن يجد كل طالب طريقه، وأن يكتشف ما يريد أن يكونه، قبل أن تتولى العائلة المهمة وتقرر له الطريق والتخصص والجامعة، وربما المستقبل كله.


التوجيهي انتهى.


فلنحاول هذه المرة ألا نجعل الحياة امتحانًا آخر.


مواضيع قد تهمك