اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

القس سامر عازر : ناقوس الأوطان يدق

القس سامر عازر : ناقوس الأوطان يدق
أخبارنا :  

القس سامر عازر


ليس أخطر على الأوطان من أن يصبح الرحيل حلمًا، وأن تتحول الهجرة غير الشرعية إلى أملٍ أخير لشبابٍ فقدوا ثقتهم بأن الغد يمكن أن يُولد في أوطانهم. فما نشهده من تدفق آلاف الشباب والعائلات عبر البحر الأبيض المتوسط باتجاه السواحل الإسبانية ليس مجرد حدثٍ عابر تتناقله نشرات الأخبار، بل هو جرس إنذار مدوٍّ يقرع أبواب الضمائر قبل أبواب الحكومات، ويكشف عن خللٍ عميق في منظومة التنمية والعدالة الاجتماعية والفرص الاقتصادية.


إن أكثر ما يلفت الانتباه في التقارير الإعلامية ليس فقط مشاهد القوارب المكتظة، ولا وجوه الأطفال المرهقة، ولا دموع الأمهات، بل ذلك الإصرار على ركوب المجهول، رغم علم الجميع بأن البحر قد يتحول في أية لحظة إلى قبرٍ جماعي. فالإنسان لا يغامر بحياته وحياة أسرته إلا عندما يشعر أن البقاء في وطنه أشد قسوةً من مواجهة أمواج البحر.


وراء هذه المآسي تقف أسباب متعددة؛ في مقدمتها الفقر، والبطالة، وغياب الفرص، وتراجع التنمية، واتساع الفجوة بين الطموح والواقع، إضافة إلى ما تعانيه بعض الدول من ضعف في الحريات وسيادة القانون وتكافؤ الفرص. وهذه ليست مشكلة دولة بعينها، بل هي صورة تتكرر بدرجات متفاوتة في كثير من البلدان العربية ودول العالم الثالث، الأمر الذي يجعل الهجرة الجماعية مؤشرًا خطيرًا على وجود أزمة بنيوية تحتاج إلى معالجة جذرية لا إلى حلول مؤقتة.


لقد خلق الله الإنسان ليعيش بكرامة، والكرامة ليست امتيازًا تمنحه الحكومات، بل حق أصيل من حقوق الإنسان. وعندما يُحرم الشاب من فرصة العمل، ويشعر بأن مستقبله مسدود، وأن سنوات تعليمه وجهده لا تقوده إلا إلى البطالة والانتظار، يصبح الوطن بالنسبة إليه مكانًا للعجز بدل أن يكون فضاءً لتحقيق الأحلام.


ولعل كلمات السيد المسيح: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ، وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ» (يوحنا 10: 10)، تذكرنا بأن رسالة الحياة تقوم على صون كرامة الإنسان وتمكينه من أن يعيش حياة تليق بإنسانيته. كما أن قول النبي إرميا: «اطْلُبُوا سَلاَمَ الْمَدِينَةِ... وَصَلُّوا لأَجْلِهَا، لأَنَّهُ بِسَلاَمِهَا يَكُونُ لَكُمْ سَلاَمٌ» (إرميا 29: 7)، يؤكد أن ازدهار الأوطان واستقرارها مسؤولية مشتركة، وأن التنمية ليست مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل رسالة وطنية وأخلاقية.


إن ناقوس الأوطان يدق اليوم بقوة، ليس ليبث الخوف، بل ليوقظ الإرادة. فالمطلوب ليس الشعارات، وإنما الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وتعزيز التعليم النوعي، وإطلاق المشاريع الإنتاجية، وجذب الاستثمارات الوطنية، وخلق فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، إلى جانب محاربة الفساد الذي يلتهم مقدرات الدول ويقوض الثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه. فالفساد لا يسرق المال العام فحسب، بل يسرق الأمل أيضًا.


ولا أحد يطالب بالمثالية، فليس في العالم دولة كاملة، لكن الشعوب تتطلع إلى واقعية عادلة تمنحها الأمل، وإلى سياسات تنموية تجعل الشباب شركاء في بناء المستقبل لا ضحايا لليأس. فالشاب لا يترك وطنه لأنه لا يحبه، بل لأنه يبحث عن فرصة يعتقد أنه فقدها فيه. ولو وجد في وطنه عملاً كريمًا، وعدالة في الفرص، وأفقًا للمستقبل، لما خاطر بحياته، ولما ترك أهله وأصدقاءه وذكرياته.


إن الهجرة القسرية ليست انتصارًا للوطن، بل خسارة لعقوله وسواعده وطاقاته. وكل شاب يغادر بلاده يترك وراءه سؤالًا ينبغي أن يؤرق كل مسؤول: ماذا لو استثمرنا في هذا الإنسان بدل أن نودعه على شاطئ الرحيل؟


يبقى الأمل قائمًا ما دامت هناك إرادة للإصلاح، ورؤية تنموية حقيقية، وإيمان بأن الإنسان هو الثروة الأغلى. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالإنسان الحر، المنتج، المتمسك بأرضه، الواثق بأن مستقبله يبدأ من وطنه لا من قاربٍ يواجه المجهول.


لقد دق ناقوس الأوطان... فهل نصغي إليه قبل أن يتحول نزيف الهجرة إلى واقعٍ يصعب احتواؤه، وقبل أن يصبح فقدان الشباب قدرًا بدل أن يكون استثناءً؟


مواضيع قد تهمك