م. محمد العمران الحواتمة يكتب : الكلاب الضالة... عندما يصبح أمن المواطن آخر الأولويات
لم يعد ملف الكلاب الضالة قضية هامشية أو مجرد شكوى عابرة يكتبها المواطن على وسائل التواصل الاجتماعي ، بل أصبح قضية أمن مجتمعي تستحق أن تكون على رأس أولويات الحكومة والبلديات والجهات المعنية. فحين يصل الخوف إلى أبواب المنازل ويصبح خروج الأطفال إلى مدارسهم أو لعبهم أمام بيوتهم مغامرة غير محسوبة ، فإننا لم نعد نتحدث عن ظاهرة ، بل عن أزمة حقيقية .
أنا لا أكتب من خلف مكتب ولا أنقل روايات سمعتها من الآخرين ، بل أتحدث عن واقع أعيشه كل يوم . أمام منزلي يتجمع أكثر من عشرين كلباً ضالاً ، تجوب الشارع ليلاً ونهاراً ، تنبح وتطارد المارة وتثير الذعر بين الأطفال والنساء وكبار السن . أصبح الخروج من المنزل يحتاج إلى حذر وأصبح الطريق الذي يفترض أن يكون آمناً مصدر خوف دائم .
والسؤال الذي يفرض نفسه: كم حادثة نحتاج بعد؟ وكم طفلاً يجب أن يتعرض لهجوم حتى تتحول هذه القضية إلى أولوية وطنية؟ هل ننتظر مأساة جديدة ثم نكتفي بعبارات الأسف والتعاطف؟
من حق أي إنسان أن يدافع عن حقوق الحيوان وهذه قيمة إنسانية نحترمها جميعاً ، لكن من حق المواطن أيضاً أن يعيش آمناً في بيته وشارعه وإذا كانت هناك جمعيات أو مؤسسات تتبنى حماية الكلاب الضالة ، فإننا نقول لها بكل وضوح: قوموا بدوركم وانقلوا هذه الكلاب إلى مراكز إيواء مخصصة بعيداً عن الأحياء السكنية ولا تتركوا المواطن يدفع ثمن غياب الحلول .
المؤلم أن المواطن إذا حاول حماية نفسه وأسرته قد يجد نفسه أمام المساءلة ، بينما يبقى الخطر الحقيقي يتجول بحرية في الشوارع . أي معادلة هذه التي تجعل الإنسان يشعر بأنه الحلقة الأضعف في وطنه؟
إن حماية الحيوان لا تتعارض مع حماية الإنسان ، لكن الأولوية في أي دولة يجب أن تكون لحياة المواطن وسلامته . فلا يجوز أن يبقى طفل يخشى الذهاب إلى مدرسته ، أو أم تنتظر عودة ابنها وهي تخشى أن يتعرض لهجوم ، أو مسن يتردد في الخروج إلى المسجد خوفاً من كلاب ضالة تحتل الشوارع .
ما نحتاجه اليوم ليس بيانات إعلامية ولا وعوداً مؤجلة ، بل قراراً شجاعاً وخطة وطنية واضحة ، تتضمن جمع الكلاب الضالة وإيواءها في أماكن مخصصة ومعالجة هذه الظاهرة بشكل جذري والاستجابة الفورية لشكاوى المواطنين بدل تركهم يواجهون الخطر وحدهم .
إن هيبة الدولة لا تقاس فقط بالقوانين ، بل بقدرتها على حماية مواطنيها. والأمن لا يعني فقط حماية الحدود، بل يبدأ من الحي السكني ومن الشارع الذي يسير فيه الطفل ومن الباب الذي يخرج منه المواطن مطمئناً.
رسالتنا إلى الحكومة والبلديات والجهات المعنية ليست للمواجهة ، بل لتحمل المسؤولية . تعالوا إلى الأحياء وشاهدوا الواقع كما يراه الناس واستمعوا إلى أصوات الأهالي الذين لم يعودوا يطالبون برفاهية ، بل بأبسط حقوقهم : أن يعيشوا بأمان .
لقد تعب المواطن من الانتظار وتعب من تكرار الشكاوى دون نتائج. واليوم ، لم يعد السؤال: هل توجد مشكلة؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: متى تتخذ الدولة قراراً حاسماً ينهي هذا الملف ويحمي الإنسان أولاً ؟
فلا يجوز أن يبقى المواطن أسير الخوف ولا أن تتحول شوارعنا إلى مصدر قلق يومي ولا أن يبقى أمن أطفالنا معلقاً بين الشكاوى والوعود. إن حماية الإنسان هي أساس الدولة وأمن المواطن يجب أن يبقى فوق كل اعتبار .
في النهاية، لسنا في مواجهة مع الحيوان، بل في مواجهة مع غياب القرار . فالدولة التي تحمي مواطنيها لا تنتظر وقوع المآسي لتتحرك ولا تترك الأهالي يعيشون الخوف أمام أبواب منازلهم . المطلوب اليوم ليس تبرير المشكلة ، بل إنهاؤها وليس تبادل المسؤوليات ، بل تحملها.
حياة الإنسان وسلامة أطفالنا وأمن شوارعنا ليست ملفات قابلة للتأجيل أو المساومة وعلى الجهات المعنية أن تتحرك الآن، قبل أن يكتب مقال آخر بعد حادثة جديدة وقبل أن تتحول صرخات المواطنين إلى سؤال مؤلم: لماذا انتظرنا كل هذا الوقت؟