اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. سنــاء الشّعــــــلان: لا تكتمل الحكاية الوطنية دون صوت المرأة

د. سنــاء الشّعــــــلان: لا تكتمل الحكاية الوطنية دون صوت المرأة
أخبارنا :  

نضال برقان

«السردية الأردنية.. الأرض والإنسان» مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة، استجابة لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، لتوثيق المسار الثقافي والاجتماعي للأردن، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية والانتماء. يسعى المشروع إلى رواية حكاية الإنسان الأردني الذي تجذّر في أرضه، وأسهم في بناء دولته عبر محطات مفصلية من التاريخ، مستندًا إلى قيم الصمود والبناء والتنوع، ومؤكدًا شمولية الحكاية بوصفها قصة مجتمع لا نخبة فقط.

في سياق هذا المشروع الوطني، نحاور كوكبة من المبدعين الأردنيين، سعيًا إلى مقاربة دور الإبداع في تشكيل الوعي الجمعي، وقراءة موقع الكاتب داخل هذه السردية. ووقفتنا الآتية مع الأديبة أ. د. سناء الشّعلان/ الأديبة وأستاذة الأدب الحديث في الجامعة الأردنيّة، والرّئيس الفخريّ لمنظمة السّلام والصّداقة العالميّة.

كيف تقرئين مفهوم «السردية الأردنية» من موقعك ككاتبة؟ هل ترينه خطابًا جامعًا، أم مساحة مفتوحة لتعدد الأصوات والتجارب؟

- انخراطي في الكتابة يجعلني أرى السردية الأردنية أبعد من مجرد توثيق للأحداث والوقائع؛ إنها ذات بُعد كينونيّ تتشكّل فيه التفاصيل عبر الزمن وتتراكم.

أعاينها مساحةً مفتوحة ومرنة تتسع للأصوات المتعددة والرؤى المختلفة، فهي ليست نصًا مغلقًا بقلم واحد أو أقلام محدودة، بل هي بوتقة عملاقة تنصهر فيها الأصوات القادمة من المدينة والريف والبادية، وتتمازج فيها الذاكرتان: المكتوبة بأبعادها الرسمية والذاتية، والشفوية بطاقتها الجمعية القادرة على الحياة خارج الورق والتسجيل.

يمكن وصفها بأنها قطعة فسيفسائية ذات خطاب جامع؛ يمنح كل صوت مساحته التعبيرية ضمن خصوصيته، دون أن يكسر انسجام المشهد الكلي. إنها حكاية الانصهار الجمالي في حكاية كبرى تجمع الإنسان والمكان والتاريخ والفعل، سردية لا تنتهي بانتهاء حدث، بل تتغذى باستمرار على يوميات الإنسان الأردني ومفردات حياته.

أين تضعين تجربتك الإبداعية داخل هذه السردية؟ هل تشعرين أنك تكتبين من الداخل، أم من هامش يعيد تعريف المركز؟

- أضعها بكل اعتزاز في قلب السردية الأردنية، لكن عبر ما أسميه «الهامش الخلّاق»؛ ذلك الهامش الذي يُعيد تعريف المركز بأدواته ورؤيته الخاصة.

الكتابة من الداخل الصرف قد تقع في فخ التقريرية أو الخطابة الفجّة، لذلك أحرص على أن تكون نصوصي مساحةً للتربص بالتفاصيل والنبش في الزوايا المنسية. أنا أتبع قلمي نحو الإنسان الهامشي الذي يعيش تفاصيله اليومية الصغيرة التي نكاد لا نلمحها، غير أنها حقيقة الإنسان وحجر الأساس في أي مشهد إنساني؛ لأن مجموع هذه الحيوات الهامشية هو ما يكوّن اللوحة النهائية الحقيقية.

هذا الهامش الساكن في الظل هو الذي يمنح السرديات صدقها وحميميتها، وهو الذي يُشكّل معمارها الأعمق.

إلى أي حد شكّل المكان الأردني وذاكرته ملامح كتابتك؟ وهل تحضر الأرض في نصوصك بوصفها ذاكرة أنثوية أيضًا؟

- المكان في ذات المبدع هو ارتباطه الحقيقي بحياته ووجوده؛ فهو ليس غير مبالٍ بالإنسان كما يقول غاستون باشلار في «جماليات المكان»، بل هو جزء من ذاكرته وعوالمه الداخلية. من هنا كان المكان البطل الأول في إبداعاتي، ليس خلفيةً صماء للأحداث، بل كائنًا حيًا يشارك في الفعل والمآل.

أما الأرض فهي حكاية ملحمية مستمرة، تحضر في نصوصي بثوب مقدس أسطوري. والأسطورة مرتبطة بالأنوثة الخالدة؛ لأن الأرض والأنثى تشتركان في صفات الأصل والعطاء والخصوبة والاحتواء والصبر والإصرار والتمسك بالجذور. هي الرحم المقدس الذي يلد الحكايات، ويحفظ ملامح الهوية والإنسان.

هل ترين أن صوت المرأة الأردنية أخذ موقعه العادل في الحكاية الوطنية، أم ما زال بحاجة إلى إعادة إنصات وقراءة أعمق؟

- صوت المرأة الأردنية يملك الكثير ليبوح به، والمنتظر منه ما يزال أكبر مما قيل. في غالب السرديات العربية التقليدية كان صوتها مرادفًا للعطاء والصبر، أو مجرد مساحة خلفية لدعم الرجل.

لكن هذا الصوت يستحق أن يُسمع بوصفه محرك البناء في حقول الحياة جميعها، لا شريكًا صامتًا فحسب، بل حضورًا فاعلًا يقدم مساهمته في صناعة المشهد الأردني وتشكيل الوعي الجمعي بطريقته ورؤيته الخاصة.

الحكاية الوطنية تظل ناقصة ما لم يُكتب تاريخ المرأة بقلم النساء المبدعات، انبثاقًا من وعي الدولة بكيانها الأنثوي الذي لا يقل أهمية عن أي كيان آخر.

حين يُقال إن «الإنسان الأردني صنع التاريخ»، كيف تتجلى صورة المرأة في هذا السياق داخل نصوصك؟

- تتجلى بوصفها قوةً باطنية خفية وحاسمة، لا ضحيةً للتاريخ. هي من تصوغ تفاصيل التجربة، وتساهم في خلق الحدث والموقف والرؤية.

المرأة في نصوصي هي الذات البنّاءة التي ترمز للأصل والأصالة والكرامة والقوة، وهي صورة الوطن في عنفوانه وعطائه وشموخه، وعظمة التمسك بالجذور مهما هبّت رياح التغيير.

كيف يمكن للكاتبة أن تقترب من محطات مفصلية في تاريخ الأردن، مثل الثورة العربية الكبرى أو معركة الكرامة، من زاوية إنسانية مختلفة؟

- الكاتبة تقترب من زوايا الإنسان لا من زوايا الحدث العسكري وحده؛ فتسبر أعماق الشعور، وترسم تفاصيل الجوّانيات الوطنية والذاتية.

لا يعنيني التأريخ العسكري الذي يُتقنه قلم المؤرخ أفضل مني، لكنني معنية بمشاعر الجندي السائر إلى المعركة، وقلق الأم المنتظِرة، ودموع الفقد، وأحلام الطفلة. يعنيني أن أرسم وجيب القلب وصيحات النصر معًا؛ لأن التقاط المشهد الإنساني هو ما يهب السردية بقاءها وعظمتها وتغلغلها في الذاكرة.

هذا الالتقاط يؤكد أن البطولات ليست أرقامًا وتواريخ، بل حكايات من دم ولحم وآمال ووجدان لا يموت.

الأردن تشكّل عبر الزمن من حكايات بشر قدموا من جغرافيات مختلفة ثم انصهرت في قصة واحدة. إلى أي حد استطاع الأدب الأردني أن يلتقط هذا التعدد الإنساني بوصفه مصدرًا لثراء الهوية؟

- استطاع الأدب الأردني إلى حدٍّ ما أن يلتقط هذا الانصهار، لكن الطموح يبقى أكبر. العمل الإبداعي الواعي قادر على إبراز هذا التعدد لا بوصفه سردية تاريخية باردة، بل بوصفه فعل غنى وبناء؛ إذ جمال الأردن يكمن في انسجام هذه التعددية التي تمنح فضاءات واسعة من العطاء والإنجاز. السردية المخلصة للوطن هي التي تفخر بهذا التنوع وتراه صمّام أمان للهوية الوطنية لا تهديدًا لها.

هل تعتقدين أن السردية الوطنية تتسع لسرديات الاختلاف والألم والأسئلة الجريئة، خصوصًا حين تصدر عن قلم امرأة؟

- بكل تأكيد، ولا يجوز أن يكون الأمر على خلاف ذلك. السردية الوطنية الحقيقية لا تخشى المرآة.

كيف توازنين بين الانتماء الوطني وحقك الكامل في النقد وكشف المسكوت عنه؟

- عبر الفهم العميق لمعنى المواطنة، والانطلاق من الرغبة في الإصلاح والبناء لا في الهدم. النقد الحقيقي فعل حب، لا فعل تفكيك.

ما الحكايات النسائية التي تشعرين أنها لم تُروَ بعد في القصة الأردنية؟

- سردية الصمت؛ صمت النساء الأردنيات اللواتي هن حقيقة المشهد النسائي كاملًا، ويقمن بفعل البناء اليومي في الخفاء. قصصهن محبوسة في الظل لا لضعفها، بل لأننا أهملنا إبرازها. هؤلاء النساء يستحققن أن تُروى قصصهن كاملةً بعيدًا عن التهميش الذي طال أدوارهن الفاعلة في بناء الوطن.

هل يختلف وعي الجيل الجديد من الكاتبات بالسردية الوطنية عن الأجيال السابقة؟

- الجيل الجديد أكثر وعيًا وتسلحًا بالعلم والإبداع والقدرة على التعبير، مما يجعل لغته أكثر صراحةً وجرأةً وصدقًا، وأساليبه أكثر انسجامًا مع متطلبات المرحلة.

إذا طُلب منك أن تكتبي فصلًا للأجيال القادمة ضمن «السردية الأردنية»، ماذا سيكون عنوانه؟ ومن ستكون بطلته؟

- عنوانه «هي تستطيع»، وبطلته امرأة أردنية متعلمة أصيلة واعية، تراهن على نفسها في بناء مستقبل وطنها.

بجملة واحدة: ما الذي يجب ألا تغفله الذاكرة الوطنية ونحن نكتب قصة الأردن؟

- أن الإنسان هو أغلى ما نملك، ولا قيمة لشيء دون الاستثمار فيه والمراهنة عليه.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك