اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. ناديا محمد نصير : بين عرش الوطن وعرش القلب... حزيران الأردني الذي يروي حكاية الوفاء

د. ناديا محمد نصير : بين عرش الوطن وعرش القلب... حزيران الأردني الذي يروي حكاية الوفاء
أخبارنا :  

د. ناديا محمد نصير


أخصائية العلاج النفسي


هناك تواريخ تمرّ على الذاكرة مرورًا عابرًا، وهناك تواريخ تتحول إلى جزء من وجدان الشعوب، فتغدو أكثر من مجرد أرقام على صفحات التقويم.


وفي الأردن، يأتي التاسع والعاشر من حزيران متعانقين كقصيدة وطنية جميلة؛ الأول يحمل ذكرى عيد الجلوس الملكي، والثاني يحمل ذكرى زواج جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله، وكأن القدر أراد أن يجمع بين عرش الوطن وعرش القلب في أيام متجاورة تحمل معاني الوفاء والاستقرار والمحبة.


في التاسع من حزيران يستذكر الأردنيون اليوم الذي تسلّم فيه جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، ليبدأ فصلًا جديدًا من مسيرة الدولة الأردنية الحديثة. ومنذ ذلك اليوم، لم يكن الجلوس على العرش مجرد انتقال للسلطة، بل كان استمرارًا لنهج هاشمي عريق يقوم على الحكمة والاعتدال والإنسانية والانتماء الحقيقي لقضايا الوطن والأمة.


سبعة وعشرون عامًا تقريبًا من القيادة الحكيمة كانت مليئة بالتحديات والتحولات الإقليمية الكبرى، لكن الأردن بقي واقفًا بثبات يشبه جباله، محافظًا على أمنه واستقراره وسط منطقة لم تهدأ فيها الأزمات يومًا.


وفي علم النفس السياسي، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من إمكانات، بل بقدرتها على منح مواطنيها شعورًا بالأمان والاستقرار والثقة بالمستقبل. وهذه المشاعر ليست تفاصيل هامشية في حياة الشعوب، بل هي من أهم العوامل التي تحدد مستوى الصحة النفسية المجتمعية وقدرة الناس على الإنتاج والعطاء والاستمرار.


لقد تعاقبت على المنطقة أحداث وحروب وصراعات كان من الممكن أن تترك آثارًا عميقة على المجتمعات، لكن الأردن ظل نموذجًا في التوازن والاتزان، بفضل مؤسسات قوية ورؤية قيادية جعلت مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.


وخلال سنوات الجلوس الملكي، لم تقتصر الإنجازات على الحفاظ على الاستقرار السياسي فحسب، بل امتدت إلى مسارات التحديث والتطوير في مختلف القطاعات. فقد شهد الأردن توسعًا في مشاريع البنية التحتية، وتطورًا في الخدمات الصحية والتعليمية، وجهودًا متواصلة لتعزيز الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات، إلى جانب إطلاق مشاريع التحديث السياسي والإداري التي هدفت إلى إعداد الدولة الأردنية لمتطلبات المستقبل، وترسيخ مشاركة الشباب والمرأة في الحياة العامة وصناعة القرار.


كما برز الدور القيادي لجلالة الملك عبدالله الثاني على الساحة الدولية بوصفه صوتًا للحكمة والاعتدال والدفاع عن القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فقد حمل الأردن بقيادته الهاشمية رسالة إنسانية وسياسية متوازنة، تدعو إلى السلام العادل وتحفظ كرامة الإنسان وحقوقه. وفي كل المحافل الدولية، ظل جلالته مدافعًا عن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، ومؤكدًا أن السلام الحقيقي لا يقوم إلا على العدالة والاحترام المتبادل وحق الشعوب في العيش بأمن وكرامة.


ثم يأتي العاشر من حزيران ليحمل مناسبة مختلفة في تفاصيلها، لكنها عميقة في دلالاتها؛ ذكرى زواج جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله.


وفي عالم يزداد فيه التفكك الأسري وتتصاعد فيه معدلات الطلاق والخلافات، تكتسب النماذج الأسرية المستقرة قيمة مضاعفة. فالأسرة ليست شأنًا خاصًا فقط، بل هي رسالة مجتمعية أيضًا.


لقد شكّل الثنائي الملكي على مدار العقود الماضية صورة مشرقة للشراكة القائمة على الاحترام والدعم المتبادل والعمل المشترك من أجل خدمة الوطن والإنسان. ولم يكن حضورهما مقتصرًا على المناسبات الرسمية، بل امتد إلى المبادرات الإنسانية والتعليمية والاجتماعية التي لامست حياة الأردنيين في مختلف المحافظات.


ولعل ما يميز جلالة الملكة رانيا العبدالله أنها لم تكتفِ بأداء دورها الرسمي، بل استطاعت أن تجعل من العمل الإنساني رسالة حياة. فمنذ سنوات طويلة، كرّست جهودها لقضايا التعليم والطفولة وتمكين المرأة والشباب، إيمانًا منها بأن بناء الإنسان هو الأساس الحقيقي لبناء الأوطان. وقد حملت هذه الرسالة إلى المحافل العربية والدولية، لتكون صوتًا مدافعًا عن حق الأطفال في التعليم، وعن دور المرأة في التنمية، وعن أهمية الاستثمار في الأجيال القادمة.


ولم يكن تأثير جلالتها محصورًا في المبادرات والمؤسسات فحسب، بل امتد إلى ترسيخ ثقافة الأمل والطموح والمسؤولية المجتمعية. فكانت حاضرة بين الطلبة والمعلمين والأسر والشباب، تستمع إلى قصصهم وتساند طموحاتهم، وتؤكد دائمًا أن الإنسان هو أغلى ما يملكه الوطن. وقد نجحت في تقديم صورة مشرقة للمرأة الأردنية والعربية القادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين النجاح المهني والرسالة الإنسانية.


وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود من الشراكة مع جلالة الملك عبدالله الثاني، شكّلت الملكة رانيا العبدالله نموذجًا راقيًا للعطاء والالتزام والمسؤولية الوطنية، حتى أصبحت بالنسبة لكثير من الأردنيين رمزًا للمعرفة والإنسانية والعمل الجاد، وصوتًا يحمل صورة الأردن المشرق إلى العالم بكل فخر واعتزاز.


أما سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، فقد أصبح يمثل نموذجًا للشباب الأردني الطموح، الحاضر بين أبناء جيله، والقريب من همومهم وأحلامهم، بما يعكس استمرارية النهج الهاشمي الذي يؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان.


وحين نتأمل تزامن هاتين المناسبتين، ندرك أن الرسالة أعمق من مجرد احتفال وطني أو ذكرى شخصية. إنها قصة وطن بُني على الوفاء؛ وفاء للرسالة، ووفاء للشعب، ووفاء للأسرة، ووفاء للقيم التي حملها الهاشميون عبر أكثر من قرن من الزمن.


وربما كان الإنجاز الأهم خلال هذه السنوات هو قدرة الأردن على البقاء متماسكًا في زمنٍ تكسّرت فيه دول وتبدلت خرائط وتغيرت موازين كثيرة. فحين ننظر إلى ما شهدته المنطقة من اضطرابات وصراعات، ندرك أن نعمة الأمن والاستقرار ليست أمرًا عابرًا، بل ثمرة عملٍ متواصل ورؤيةٍ بعيدة المدى وإيمانٍ راسخ بأن الإنسان الأردني هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن.


الأوطان لا تعيش بالسياسة وحدها، بل تعيش أيضًا بالثقة التي تتشكل بين القيادة والشعب، وبالأمل الذي يولد كل صباح في قلوب المواطنين. وكلما شعر الإنسان أن وطنه مستقر، وأن مستقبله أكثر وضوحًا، أصبح أكثر قدرة على الحب والعمل والعطاء.


وفي هذه الأيام المباركة من حزيران، يرفع الأردنيون أكف الدعاء أن يحفظ الله الأردن، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وجلالة الملكة رانيا العبدالله، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، والأسرة الهاشمية الكريمة.


فالأردن لم يكن يومًا مجرد بقعة جغرافية على الخريطة، بل كان حكاية انتماء، ومدرسة في الصبر، ورسالة في الاعتدال، ووطنًا كلما اشتدت الرياح حوله ازداد رسوخًا وثباتًا.


وكل عام والأردن أكثر عزًا، وكل عام وقيادته الهاشمية بخير، وكل عام وشعبه يكتب فصولًا جديدة من المحبة والإنجاز والوفاء.


فالأردن ليس مجرد وطن نسكنه، بل قصة وفاء نسكنها، وراية عزٍ نلتف حولها، وحكاية مجدٍ يكتبها الهاشميون وشعبهم معًا، جيلاً بعد جيل.


مواضيع قد تهمك