شرط الأخبار

الكلاب الضالة التي قادت السباق نحو الفضاء

آخر تحديث: 2017-11-08، 06:26 pm

اخبارنا- قبل ظهور رواد الفضاء، أُطلِقت مجموعة من الكلاب الروسية الضالة إلى ذلك المجهول الذي يكسوه السواد. والعجيب أن المطاف انتهى بنسل ما تبقى من هذه الحيوانات للعيش في آخر مكان يمكنك تصوره.

كان المهندسون الذين ثبتوا الكلبة "لايكا" داخل كبسولة الفضاء الضيقة والمصمتة، "سبوتنيك 2"، في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1957، يعلمون أنهم لن يروها ثانيةً على الإطلاق.

السبب في ذلك يعود إلى العجلة التي شابت التحضير لمهمة هذه الكبسولة الفضائية، التي أمر الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف - بعد نجاح مهمة "سبوتنيك 1" في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه - بإطلاقها خلال شهرٍ واحد فقط.

ولذا، ففي غمار السعي الدؤوب لتحقيق ذلك الهدف في موعده المحدد، لم يلقِ أحدٌ بالاً للتعرف على سبلٍ تكفل إعادة الكلبة "لايكا" إلى الأرض وهي على قيد الحياة.

وفي هذا الصدد، يقول دوغ ميلارد، وهو المسؤول عن قسم الفضاء في متحف لندن للعلوم: "كانت هذه المهمة ستصبح في كل الأحوال رحلة في اتجاه واحد. كانت في ذروة الحرب الباردة، وكان الأمر خطيراً يتعلق بالصراع بين القوى العظمى".

وبمجرد أن وصلت الكبسولة إلى المدار، قيل للعالم إن "لايكا" ستظل على قيد الحياة لمدة أسبوع تنعم فيه بالراحة وسط كمياتٍ وفيرة من الماء والغذاء، قبل أن تنفق في سلام ودون أن تشعر بألم.

لكن كُشف النقاب في عام 2002 عن أن أنثى الكلب تلك، لم تبق حية سوى لسبع ساعاتٍ فحسب، قبل أن تهلك جراء إصابتها بالذعر والإنهاك الحراري.

ورغم ذلك، شكلت المهمة بالنسبة للاتحاد السوفيتي - الذي لم يكن سابقاً وقتذاك بالطبع - نجاحاً دعائياً آخر، وأصبحت الكلبة "لايكا" بطلاً قومياً. كما بدا أن الروس غدوا متقدمين بأشواطٍ على الأمريكيين على صعيد تكنولوجيا الفضاء والصواريخ، بعدما تمكنوا من إطلاق كبسولة كبيرة الحجم كتلك التي بلغ وزنها 113 كيلوغراماً (249 رطلاً) وعلى متنها حيوانٌ حي.

ويقول ميلارد: "بوسع المرء الادعاء بأنه كان لتلك المهمة، التأثير الكبير ذاته الذي خلّفته سبوتنيك 1. وقد فاقمت الأثر الذي حل بالولايات المتحدة (بسبب عمليات الإطلاق هذه) في ظل ثقلها البالغ، إذ أنها أكدت أن لدى السوفيت القدرة على تجهيز صاروخٍ ذي رأسٍ نووي وإطلاقه على الولايات المتحدة".

على أي حال، فقد عكف الاتحاد السوفيتي على إطلاق كلاب إلى الفضاء منذ المراحل الأولى لبرنامجه في هذا المضمار، أي منذ تلك الفترة التي كانوا فيها يبذلون جهوداً مضنيةً للاستفادة من صاروخ "في 2" الذي ابتكره العالم الألماني فرنر فون براون في العهد النازي.

أولى الرحلات السوفيتية في ذلك المجال كانت شبه مدارية، وأُرسل على متنها كلابٌ إلى خارج الغلاف الجوي قبل أن يُعادوا إلى الأرض.

وبعكس "لايكا"، عادت غالبية هذه الحيوانات وهي على قيد الحياة. وبينما فضل الأمريكيون إجراء تجاربهم على القردة والشمبانزي، آثر الروس الكلاب، نظراً لأنه من الأسهل تدريبها، ولكونها تقيم روابط عاطفية بينها وبين البشر، فضلاً عن أنها كانت متوافرة، ولا تكبد أي عناء في العثور عليها.

وكانت كل الكلاب التي استُخدمت إناثاً من سلالات هجينة. وبينما جاء بعضها من متبرعين، كان الجانب الأكبر منها من الكلاب الضالة.

ويوضح ميلارد في هذا الإطار أن من بين الأسئلة التي كانت مطروحةً وقتذاك، سؤال متعلق بالكيفية التي يمكن أن يتم من خلالها الإمساك بهذه الحيوانات.

ويقول في هذا الشأن: " لديك هنا هذا السيناريو الغريب والعجيب الذي يتمثل في انخراط أفراد من الفريق السوفيتي العامل في برنامج الفضاء في مطاردة محمومة للكلاب المحتمل إخضاعها للتدريب في شوارع موسكو، وإقناعها بألا تقاوم محاولات الإمساك بها".

ومن جهته، يقول الكاتب فيكس ساوثغيت، الذي يؤلف كتباً مصورة للأطفال عن برنامج استكشاف الفضاء، إن العلماء يريدون أن تكون الكلاب في صحة جيدة، ولذا ليس بمقدورهم إساءة معاملتها.

ويشير إلى أن كلاً من هذه الحيوانات يحظى باسمٍ ومأوى خاصيّن به، فضلاً عن تغذية جيدة. ويمضي قائلاً: "يريد المرء كلباً يشعر بالسعادة لما يفعله، ويرغب في إسعاد البشر الذين يفعل ذلك من أجلهم".

وقد أُخضعت تلك الكلاب لتجارب واختبارات طبية مُفصلة، وكذلك لبرامج تدريب مكثفة، لكي تصبح متوائمة ومرتاحة لمسألة إلباسها سترات فضائية ذات أربطة لتثبيتها على أجسامها، وكذلك مع فكرة إبقائها حبيسةً في كبسولات فضائية. وفي أغلب الأحوال، كان يُوضع كلبان في كل كبسولة، ما أتاح الفرصة للعلماء للمقارنة بين البيانات الخاصة بكلٍ منهما.

وفي غضون ثلاث سنوات من مهمة "سبوتنيك 2"، صنعت تلك الكلاب الفضائية الروسية التاريخ من جديد. ففي 19 أغسطس/آب، أُطلقت الكلبتان ذاتا الأصل الهجين بيلكا وستريلكا إلى المدار، جنباً إلى جنب مع جرذين وأرنب وعددٍ من الذباب المنتمي لجنس "ذباب الفاكهة"، بالإضافة إلى بعض النباتات.

ويروي ساوثغيت، الذي يؤلف حالياً كتاباً عن الكلاب، تفاصيل تلك المهمة قائلاً إن عملية الإطلاق سارت فيها على ما يرام "وكانت كل البيانات المتعلقة بالحالة الطبية لكلٍ منهما، والتي كانت ترُسل إلى الأرض من السترتين الفضائيتين اللتين تم إلباسهما لهما، رائعة وفي المعدلات المعتادة. لكن عند وصولهما إلى المدار، لم يكن أيٌ منهما يتحرك".

غير أن ذلك لم يستمر طويلاً، فكما يضيف الرجل بدأت "بيلكا" في التقيؤ عند الدورة الرابعة "وهو ما شكّل السبب في إيقاظهما. ومن خلال المقطع المصور الذي تم تسجيله على متن الكبسولة، يمكن مشاهدة الكلبتين وهما تتحركان هنا وهناك وتنبحان. وأظهرت البيانات الخاصة بالحالة الصحية لهما أنهما كانتا هادئتين ولا تشعران بتوترٍ مفرط".

وفي الدورة السابعة عشرة، أطلق المسؤولون عن التحكم في الرحلة - والموجودون على الأرض - الصواريخ التي تجعل الكبسولة تعود إلى الأرض وعلى متنها الحيوانان. وعندما فُتِحت الأبواب، ظهرت "بيلكا" و"ستريلكا" سعيدتين دون أي أثرٍ لأضرارٍ حاقت بهما خلال رحلتهما في الفضاء.

وفي غضون ساعاتٍ قلائل، أصبحت الكلبتان من المشاهير، وظهرتا على الصفحات الأولى للجرائد بل وحظيتا الحفاوة في البرامج التليفزيونية.

ويشير ساوثغيت إلى أن شهرة هاتين الكلبتين ذاعت على مستوى العالم، لتظهرا على الطوابع والبطاقات البريدية، مُضيفاً: "كانتا في كلٍ مكان تقريبا. لقد كان الأمر أشبه بالظاهرة بكل معنى الكلمة".

بعد ذلك، تأخذ القصة بعداً جديداً تماماً.

ففي يونيو/حزيران 1961، أي بعد شهرين من الرحلة التي جعلت يوري غاغارين أول إنسان يدور حول الأرض، عقد الرئيس الأمريكي جون إف. كينيدي ورئيس الوزراء السوفيتي خروتشوف أول قمة تجمعها في العاصمة النمساوية فيينا. ورغم أن الاجتماعٍ كان شائكاً بكل المقاييس، فقد بدأت السيدة الأمريكية الأولى - وقتذاك - جاكلين كينيدي في الحديث مع الزعيم السوفيتي على مأدبة العشاء حول مسألة كلاب الفضاء.

وهنا يقول أندرو هاغر، وهو مؤرخٌ مقيمٌ في متحف مُقام في الولايات المتحدة للحيوانات الأليفة التي اقتناها رؤساء البلاد، إن خروتشوف ذكر خلال العشاء أن ستريلكا أنجبت عدداً من الجراء، لتطلب قرينة الرئيس الأمريكي منه أن يرسل إحداها إليها.

ويضيف بالقول: "في غضون أسابيع قليلة، ظهر أحد الجراء على أبواب البيت الأبيض، ومرفقٌ به جواز سفر روسي صغير".

وكان هذا الجرو أنثى أُطلِقَ عليها اسم "بوشينكا". وقبل السماح بدخولها البيت الأبيض، فُحِصت جيداً على يد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" للتحقق من عدم وجود أي وسائل تنصت دقيقة مزروعة فيها.

وبعد ذلك صارت "بوشينكا" مقيمةً في المقر الرئاسي الأمريكي مع آل كينيدي. ورغم أنه كان لدى الرئيس الأمريكي وقتذاك حساسية من الكلاب، فقد قضى هذا الحيوان وقتاً مع أطفاله، وأصبح على علاقة ودية للغاية مع كلبٍ رئاسي آخر كان يحمل اسم "تشارلي"، لينتهي بهما المطاف وقد بات لديهما جراءٌ بدورهما، وهو ما يعقب عليه هاغر قائلاً: "يحلو لي أن أرى هذه العلاقة بوصفها قصة حب دارت في عصر الحرب الباردة".

لكن برأي هاغر، كان لتلك الهدية ذات الطابع الفريد أهميةٌ دبلوماسيةٌ أكبر مما يبدو في الظاهر، بل ويعتبر أنها ساعدت في الحيلولة دون اندلاع حربٍ عالمية ثالثة.

ويقول في هذا الصدد: "الأمر يتجاوز مجرد هدية، إذ أرى أن 'بوشينكا' مهمةٌ من الوجهة التاريخية. فقد كانت لدى كينيدي وخروتشوف قناة الاتصال الخلفية تلك التي تعمل بشكلٍ متواصل، وقد تبادلا العديد من الهدايا خلال تلك الفترة".

ويستطرد بالقول: "ساعدهما ذلك بحق على التراجع عندما (نشبت) أزمة الصواريخ الكوبية بعد عام. ويحلو لي التفكير في بوشينكا باعتبارها جزءاً من عملية التفكير (التي جرت) عندما كان الجميع في غمار أزمة الصواريخ، وكذلك بوصفها سبباً في أن كينيدي لم يعر اهتماماً للصقور في البيت الأبيض، ممن كانوا يريدون قصف موسكو بالقنابل على الفور".

وفي وقتٍ لاحق منح كينيدي اثنين من جراء "بوشينكا" لأطفال أمريكيين كتبوا رسالة إلى جاكي قرينته، طلبوا فيها إتاحة الفرصة لهم للاعتناء بالكلبين الصغيرين. وعندما اغتيل كينيدي عام 1963، مُنِحت "بوشينكا" إلى أحد البستانيين العاملين في البيت الأبيض، ثم أنجبت مجموعةً أخرى من الجراء.

ويحاول هاغر اقتفاء أثر الكلاب المنحدرين من نسل "بوشينكا" دون جدوى حتى الآن على الأقل. ويقول في هذا الصدد: "لا تزال هناك إمكانية بالقطع أن تكون هناك كلابٌ منحدرةٌ من تلك الكلاب الفضائية الروسية، تعيش في الولايات المتحدة".

وبالعودة إلى التاريخ سنجد أن الستار أُسْدِلَ تدريجياً على البرنامج السوفيتي لإرسال كلابٍ إلى الفضاء، بعد نجاح أولى الرحلات الفضائية المأهولة بالبشر.

رغم ذلك، يؤمن ميلارد بأن من حق هذه الحيوانات ذات الإسهام الرائد في ارتياد الفضاء، أن تبقى في الذاكرة باعتبار أن لها دوراً بارزاً في هذا المضمار، لا أن يعتبرها البعض مرتبطةً بوقائع على هامش التاريخ.

ويقول في هذا الصدد: "أعتقد أن (هذه الكلاب) لا تزال تفتقر إلى التقدير الذي تستحقه، وهو ما تشاركها فيه حيوانات الشمبانزي التي أطلقها الأمريكيون".

ويخلص ميلارد للقول إن "الكلاب والقردة عبَّدت طريق البشر صوب النجوم".


تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' أخبارنا نت' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الإسم
عنوان التعليق
نص التعليق